اقتصادالعالمغزو اوكرانيا

فورين بوليسي: حرب أوكرانيا تدفع الصين لفك ارتباطها بالاقتصاد العالمي

حرب أوكرانيا تدفع الصين الإسراع في فك ارتباطها بالاقتصاد العالمي، وإعادة تقييم القوة المالية الغربية بعد الحرب الأوكرانية الروسية.

وفي مقال تحليلي بمجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) الأميركية، كتبت ديانا تشويليفا -كبيرة الاقتصاديين في شركة “إينودو إيكونوميكس المحدودة” (Enodo Economics) في لندن- تقول إن العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا ردا على حربها على أوكرانيا يبدو أنها ستدفع إلى تعجيل فك الارتباط الاقتصادي الجاري الآن بين الولايات المتحدة والصين، خاصة إذا انتهزت بكين الفرصة لتعزيز جاذبية عملتها الوطنية وبنيتها المالية على النطاق العالمي.

ورأت الكاتبة أن إقدام واشنطن على حرمان روسيا من الوصول إلى نحو نصف احتياطاتها من العملات الأجنبية والذهب -التي تقدر بنحو 630 مليار دولار أميركي- كان بمنزلة دليل على أن القوة المالية “الغاشمة” لا تزال بأيدي الغرب، الأمر الذي يمكن أن يقوي فقط من عزم الصين على التشبث بمسارها الأيديولوجي واقتطاع مجال نفوذ جيوسياسي خاص بها.

وسبق للولايات المتحدة ودول غربية كبيرة أخرى أن حظرت معظم الدائنين الروس من استخدام نظام التحويلات المصرفية المعروف باسم “سويفت” (SWIFT)، الذي تديره جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك، وتوفر شبكة مؤمنة للتراسل لضمان المدفوعات السريعة عبر الحدود وقد أصبحت آلية أساسية لتمويل التجارة العالمية.

ومن المرجح -حسب الخبيرة تشويليفا- أن تؤدي تلك العقوبات إلى التعجيل بإحداث انقسامات وتشعبات في النظام الاقتصادي والمالي العالمي، وهي العملية التي وصفتها شركة إينودو إيكونوميكس قبل بضع سنوات بـ”الانفصال العظيم”.

الاعتماد الذاتي

أوضحت كاتبة المقال أن “الاعتماد المالي على الذات” سيكون سمة بارزة من سمات النظام الجديد الناشئ، والصين ليست الدولة الوحيدة التي امتنعت عن إدانة روسيا لحربها على أوكرانيا، وأعربت عن قلقها من العقوبات.

إن أي دولة لم تشعر بالارتياح إزاء استعراض الغرب “الشرس” لقوته المالية، ربما ستلجأ إلى اتخاذ إجراءات تقيها الاعتماد على الدولار وذلك من خلال المشاركة في البدائل الروسية والصينية.

وتقول الخبيرة الاقتصادية تشويليفا إن روسيا ظلت تعتمد على مجموعة دول “بريكس” (BRICS) التي تضم في عضويتها 5 دول من ذوات الاقتصادات الناشئة (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) لتوسيع رقعة تداول عملاتها الوطنية في مجال التجارة وتكامل نظم مدفوعاتها.

ونقلت الكاتبة -في مقالها- عن وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف اعتقاده أن تلك الخطوات كانت ضرورية، لأن العقوبات الغربية قوضت أسس النظام النقدي والمالي الحالي المعتمد على الدولار.

وقد أسست روسيا نظامها الخاص بها للتحويلات المصرفية المعروف باسم “إس بي إف إس” (SPFS) بديلا عن نظام “سويفت” الذي أُقصيت منه. وقد دخل نظام “مير” الروسي للدفع بالبطاقات -الشبيه بنظامي فيزا وماستركارد- إلى حيز العمل عام 2015.

غير أن حصة روسيا في الاقتصاد العالمي ضئيلة، وفق مقال فورين بوليسي، فإذا لم ترد الدول المشاركة المالية والاقتصادية مع الغرب والتمسك بعملة الدولار، فليس أمامها سوى خيار واقعي واحد فقط، ألا وهو الصين وعملتها اليوان، والتي تعرف أيضا اسم “الرنمينبي”.

قوة الدولار

إن التوقعات بإزاحة الدولار عن عرشه، باعتباره العملة الاحتياطية الأبرز، قديمة جدا، ولكن إذا استطاعت بكين جعل نظامها المالي ومدفوعاتها العابرة للحدود أكثر جاذبية، وتعززت مكانة عملتها الرنمينبي، فإن هيمنة الدولار قد تتآكل بمرور الزمن، على حد تعبير مقال فورين بوليسي.

اقرأ ايضاً
الإمارات تنشأ صندوقاً كبيراً لدعم الإقتصاد الإسرائيلي.. ما مقداره؟

وتنصح الكاتبة الصين بأن تتوخى الحذر في خطواتها وأن تتأكد من أن بنوكها لا تنتهك العقوبات الغربية في حال زادت تسهيلاتها الائتمانية لروسيا كصنيع لرئيسها فلاديمير بوتين.

وبالنظر إلى أن 75% من فواتير البضائع الصينية لا تزال تدفع بالدولار، فإن حرمان بكين من نظام المقاصة بالدولار ومن استخدام شبكة سويفت ستكون له عواقب لا يمكن تقدير حجمها على البنوك الصينية والاقتصاد العالمي على حد سواء.

على أن ثمة مسار عمل واحد مرجح وهو أن تسارع الصين بتطوير نظام الدفع عبر الحدود بين البنوك -المعروف اختصارا باسم “سيبس” (CIPS)- واستخدامه حول العالم.

وسيبس نظام دفع يوفر خدمات المقاصة والتسوية للمشاركين في عمليات الدفع والتجارة عبر الحدود بالرنمينبي، بدعم من بنك الشعب الصيني الذي أطلقه عام 2015 لتقليل حاجة البلاد للتعامل بالدولار عبر البنوك الأميركية.

وشرعت الصين في تدويل عملتها اليوان، في رد فعل للأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008، فكان أن زاد استخدام اليوان في التجارة العابرة للحدود، وبدأت البنوك المركزية الاحتفاظ به ضمن احتياطاتها من العملات، وأُضيف إلى سلة العملات التي تشكل الأصول الاحتياطية لصندوق النقد الدولي وهي حقوق السحب الخاصة.

وقد بدا أن تدويل اليوان يحقق نجاحا أول الأمر وإن كان ببطء شديد، إلا أن العملية بلغت ذروتها عام 2015 عندما تخبط بنك الشعب الصيني بتغييره آلية سعر الصرف المركزي اليومي للرنمينبي مقابل الدولار الأميركي، وتسبب ذلك في تراجعه بنسبة 3% تقريبا في غضون يومين.

ومع انخفاض قيمة اليوان وبدء تراجع عملية تدويل الرنمينبي، أضحى جليا أن النجاح الذي تحقق حتى ذلك الحين كان مدفوعا برغبة الأجانب في الاحتفاظ بعملة تزداد قيمتها.

تقييم الخطوات

وقد أجبر ذلك كله الصين على إجراء عملية لإعادة تقييم خطواتها، طبقا لكاتبة المقال التي تضيف أن بكين كانت بحاجة إلى منح الأجانب سببا وجيها للاحتفاظ باليوان بدلا عن التعويل ببساطة على استمرار قيمة العملة بالارتفاع، وقد بدأت الصين عام 2018 بتقوية أسواق رؤوس الأموال المحلية وفتحها أمام المستثمرين الأجانب.

وتتوقع كاتبة المقال أن تتمكن بكين الآن من تسريع وتيرة جهودها الرامية لتعزيز تداول اليوان في الأسواق العالمية، مدفوعة في ذلك بالعقوبات الغربية المفروضة على روسيا.

وعلى غرار جائحة فيروس كورونا، فإن غزو أوكرانيا سيعمق -بنظر مقال فورين بوليسي- الشرخ العالمي بين الاقتصادات القائمة على القواعد والقوانين بقيادة الولايات المتحدة، وبين “خصومها المستبدين”، مما سيزيد طين الضغوط التضخمية بلة.

ولعل من نتائج الحرب في أوكرانيا أن الاقتصاد العالمي مقبل على تغيير هائل، وبغض النظر عمن سينجح في تحويل معضلة التضخم المصحوب بركود اقتصادي إلى فرصة لتعزيز الابتكار وزيادة الإنتاجية المحلية وبناء مجال نفوذ حيوي، فإنه سيكون هو الفائز في نهاية المطاف، حسب تعبير المقال.

المصدر : فورين بوليسي+راي الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى