الاخبار العاجلةسياسة

تشريعيات فرنسا.. التغيرات الجيوسياسية تضع تجمع اليسار أولا وماكرون أمام امتحان صعب

باريس- شهدت فرنسا انتخابات تشريعية مختلفة كليا عن سابقاتها، حيث لعبت التغيرات الجيوسياسية الإقليمية، ارتفاع التضخم والأسعار، تراجع القدرة الشرائية للمواطن الفرنسي نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، دورا مهما في تغير الخارطة الانتخابية السياسية التقليدية، وفي تقدم أحزاب وتراجع البعض واندثار أخرى.

كما كانت هذه الظروف الخارجية والتطورات الداخلية سببا رئيسيا في نسبة العزوف القياسية عن التصويت التي شهدتها الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية التي جرت أمس الأحد.

وأشارت تقديرات معهد “إيبسوس” للاستطلاعات إلى نسبة امتناع غير مسبوقة عن التصويت بلغت 52.8%، وأن نسبة المشاركة في الدورة الأولى بلغت 39.42% عند الخامسة مساء بتوقيت باريس، في حين تظهر الأرقام الرسمية أن نسبة العزوف عن التصويت بلغت عام 2017 نسبة 51.30%.

وتصدر “الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد” بقيادة جان لوك ميلانشون، المعروف باسم تحالف اليسار “نيباس” (Nupes) النتائج بشكل طفيف، محرزا تقدّما بسيطا أمام حزب الرئيس إيمانويل ماكرون وتحالفه الوسطي “معا”.

وتنافس على هذه الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية 6300 مرشح في 577 دائرة انتخابية. وبلغ عدد المسجلين من الناخبين 48 مليون ناخب.

وأظهر استطلاع لمؤسسة إيفوب فيدوسيال حصول التحالف اليساري على 25.7% من الأصوات، بينما حصل حزب ماكرون وحلفاؤه على 25%، ونال اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان 19.3%، وفقا لرويترز.

First round of French parliamentary elections
جانب من فرز الأصوات بأحد مكاتب الاقتراع (رويترز)

أزمة ثقة

وفي قراءته لهذه النتائج، قال ناصر زهير رئيس قسم العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في مركز جنيف للدراسات الدولية إن تراجع القدرة الشرائية والتضخم والحرب الروسية الأوكرانية وإعطاء الأولوية للأوروبيين جعلت الفرنسيين غاضبين من النخب السياسية، ولا يثقون في البرامج السياسية سواء لماكرون وحزبه أو لميلانشون وتحالف اليسار الذي يقوده.

وأضاف قائلا للجزيرة نت “أعتقد أن نسبة العزوف المرتفعة التي شهدتها الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية تظهر بوضوح وجود أزمة ثقة كبيرة في المشاريع الانتخابية، وغياب الثقة أدى تلقائيا إلى حالة العزوف والطلاق بين المواطن والسياسيين. ومع ذلك برأيي أنه في الجولة الثانية سيكون هناك زخم أكبر في الاقبال على التصويت”.

وتجرى الانتخابات التشريعية الفرنسية كل 5 سنوات لاختيار أعضاء الجمعية الوطنية، وهي الغرفة الثانية في البرلمان إلى جانب مجلس الشيوخ.

وتكتسي هذه الانتخابات أهميتها في كونها تحدد الأغلبية البرلمانية في الجمعية الوطنية، وهي أغلبية لها وزن في المصادقة على مشاريع القوانين من عدمها، وبالتالي فإن لها تأثير مباشر في رسم سياسة البلاد.

ويتنافس المرشحون في هذا الاستحقاق من أجل نيل مقاعد الجمعية الوطنية، وعددها 577 مقعدا والتي تمثل الدوائر الانتخابية في كامل فرنسا، وقد باتت هذه الانتخابات تجرى بعد أسابيع من الرئاسيات بمقتضى قانون صدر عام 2001 كي تتزامن الفترة التشريعية مع الولاية الرئاسية.

h 57734167
تحالف اليسار بقيادة ميلانشون حقق تقدما طفيفا (الأوروبية)

تعايش وموازين

وتضع النتائج الأولية -التي حصل فيها تحالف اليسار على 25.7%- الرئيس ماكرون وحزبه الذي تحصل على 25% في وضع لا يحسد عليه، وفي اختبار صعب لتنفيذ برنامجه السياسي الذي انتخب من أجله في أبريل/نيسان الماضي.

وإذا كان ماكرون قد حصل بسهولة على الأغلبية المطلقة 28.21% في البرلمان خلال عهدته الأولى عام 2017، فإن الظروف الحالية والنتائج الأولية في الجولة الأولى من هذه الانتخابات قد غيرت وقلبت موازين القوى ولو بنسبة ضئيلة لصالح تحالف اليسار.

اقرأ ايضاً
بلينكن: نراجع علاقاتنا مع السعودية ومقتل خاشقجي "عمل مشين"

وهو ما سيضطر ماكرون وتحالف “معا” الوسطي الذي يقوده إلى عقد اتفاق وتحقيق تعايش المكرهين مع الجبهة اليسارية بقيادة ميلانشون.

ويقوم مبدأ التعايش في النظام السياسي عند فوز حزب أو تيار سياسي بالأغلبية في الجمعية الوطنية، بينما يكون رئيس الجمهورية من تيار آخر، وعندها فلابد من تشارك السلطة بين التيارين مما يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية الذي يكون مضطرا للتعايش مع رئيس الحكومة المنتمي للأغلبية البرلمانية.

ولم يخف ميلانشون الزعيم اليساري المخضرم ورئيس “فرنسا الأبية” رغبته الجامحة، منذ تكوينه لجبهة اليسار، في أن يكون رئيس الحكومة المقبل وفي فرض حكومة تعايش على الرئيس ماكرون، من أجل تنفيذ برنامجه السياسي الانتخابي الذي مكنه من احتلال المرتبة الثالثة بالانتخابات الرئاسية الأخيرة.

فهل سينجح ميلانشون في فرض مبدأ التعايش على الرئيس ماكرون؟

First round of French parliamentary elections
ملصقات للدعاية الانتخابية بأحد شوارع فرنسا (رويترز)

صدام سياسي

وعن هذا السؤال، يقول ناصر زهير رئيس قسم العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في مركز جنيف للدراسات الدولية إن فوز جبهة اليسار بأغلبية برلمانية في الجمعية الوطنية، وتحقيق ميلانشون هدفه المنشود كرئيس حكومة الأغلبية البرلمانية، سيؤدي إلى حالة من الصدام والجمود السياسي، لأن ماكرون لن يستطيع تنفيذ مشاريعه السياسية والاقتصادية، وكذلك الأمر بالنسبة لميلانشون الذي سيجد نفسه مقيدا هو الآخر.

ويتابع مستدركا أنه لا مفر في مرحلة لاحقة من أن يعمل الجانبان مع بعضهما البعض للوصول إلى صورة توافقية تجنب فرنسا الجمود السياسي الذي سيؤثر على الاقتصاد، وحينها سيخسر الطرفان.

وأضاف زهير قائلا إن هذا الجمود الاقتصادي والسياسي سيجعل فرنسا تذهب إلى انتخابات مبكرة، وفي هذه الانتخابات المبكرة لا تضمن النتائج للجانبين.

وبيّن أن هذه النتيجة التي تكرس فوز اليسار ستؤدي في البداية إلى الصدام، ولكن سرعان ما سيقبل الطرفان بالأمر الواقع والحد الأدنى من التعايش المكره بين ماكرون وميلانشون، وأعرب عن اعتقاده بأن ماكرون لن يضحي بفترته الرئاسية الثانية من أجل إفشال اليسار.

وللتذكير فقد عرفت فرنسا مبدأ التعايش السياسي 3 مرات خلال الجمهورية الخامسة، كانت أول مرة في عهد الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران، مع جاك شيراك (بصفته رئيسا للوزراء) الفترة من عام 1986 حتى 1988.

وكانت المرة الثانية من التعايش بين ميتران أيضا وإدوار بلادور من عام 1993 إلى 1995، أما المرة الثالثة والأخيرة فكانت بين جاك شيراك، كرئيس في تلك المرة، ورئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل غوسبان من 1997 إلى 2002.

وفي تلك الحالة يجد رئيسا الجمهورية والحكومة أنه لا مفر من “التعايش” معا من أجل تسيير شؤون البلاد. وينعكس هذا الوضع سلبا، بطبيعة الحال، على رئيس الجمهورية الذي يمتلك في الأحوال العادية أغلب -إن لم يكن كل- الصلاحيات، فيجد نفسه مضطرا للتخلي عن بعض الصلاحيات المتعلقة بالسياسة الداخلية.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى