الاخبار العاجلةسياسة

يخوض صراعا مسلحا منذ 57 عاما.. هل يضعف تقسيم أكبر أقاليم إندونيسيا الحركة الانفصالية فيه؟

جاكرتا- أقرّ البرلمان الإندونيسي أمس الخميس، وبالتوافق مع الحكومة الإندونيسية، 3 قوانين لتقسيم إقليم بابوا الواقع في أقصى شرقي البلاد، وجعله 4 أقاليم هي: بابوا، وبابوا الجنوبية، والوسطى، والجبلية، بعد أن كان أوسع أقاليم البلاد، حيث تشكل مساحته البالغة 319 ألف كيلومتر مربع، ما يعادل 17% من مساحة الأرخبيل الإندونيسي، فيما يتوقع أن يتم تقسيم إقليم مجاور هو بابوا الغربية خلال العامين القادمين كمرحلة ثانية، ليصبح 3 أقاليم أخرى هي: بابوا الغربية، والشمالية، والجنوبية الغربية.

ويشكل هذان الإقليمان -بابوا وبابوا الغربية- معا نحو خُمس مساحة إندونيسيا، وتحديدا 22% منها، وهما البوابة الشرقية لإندونيسيا باتجاه المحيط الهادئ وبابوا غينيا الجديدة المجاورة، وبهذه المساحة والموقع الإستراتيجي والثروات يعدان من الأهمية بمكان لإندونيسيا اقتصاديا وجيوسياسيا، وتدور فكرة تقسيمهما -بحسب برلمانيين- منذ نحو 20 عاما، لكنها ظلت في إطار المداولات والمناقشات لعقدين بين مؤيد ورافض.

خارطة إندونيسيا موضح عليها إقليم بابوا
خارطة إندونيسيا موضح عليها إقليم بابوا (الجزيرة)

ويرى البرلمان الإندونيسي وكذا وزير الداخلية تيتو كارنافيان أن تقسيم إقليم يشهد صراعا مسلحا مع تيار انفصالي، يستهدف تحقيق المزيد من العدالة في التنمية والازدهار الاقتصادي، ورفع مستوى الخدمات العامة للمواطنين، مع تخصيص 80% من الوظائف الجديدة في الإدارات التي ستشكل للسكان الأصليين البابوويين، وليست للمهاجرين من أقاليم أخرى.

ولا يستبعد وزير الداخلية أن يجد هذا القانون رفضا أو يحصل تدافع وصراع مجتمعي بشأنه، سواء بين المجموعات المؤيدة والرافضة من جهة، أو بين الانفصاليين والجيش والشرطة من جهة أخرى، داعيا القادة إلى ضبط النفس.

Papuan activists rally for self-determination in the Indonesian controlled part of Papua, during West Papua independence anniversary commemorations in Jakarta
متظاهرون يطالبون بمنح إقليم بابوا حق تقرير المصير، لاختيار البقاء أو الانفصال عن إندونيسيا (رويترز)

رفض وتهديد التيار الانفصالي

يذكر أن بابوا تشهد صراعا مسلحا منذ عام 1965، حينما انطلقت أعمال منظمة بابوا المستقلة التي ينتشر مسلحوها في بعض المناطق الجبلية والغابات في أقصى شرق البلاد، ولهم قيادات متعددة موزعة بين مجموعات مسلحة صغيرة، ولهم أجنحة سياسية وإعلامية داخل البلاد وخارجها.

ففي خارج البلاد، يتحرك الناشطون البابوويون الداعمون للانفصال عن إندونيسيا سعيا لكسب مزيد من التأييد من برلمانيين وساسة غربيين شكلوا معا ما يعرف باتحاد البرلمانيين من أجل بابوا الغربية، برئاسة النائب البريطاني أليكس سوبيل، على غرار التحرك الدولي السابق في نهاية عقد التسعينيات الذي سعى لفصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا عام 1999 ونجح في ذلك، وقد كان آخر اجتماع لهم قبل نحو أسبوعين في أروقة البرلمان البريطاني، وهناك مسعى لتأسيس منتدى آخر باسم اتحاد المحامين الدولي من أجل بابوا الغربية.

ويرفض الانفصاليون قرار تقسيم الإقليم رفضا شديدا، بل هدد مسلحوه بتوتير الوضع الأمني لو قُسّم الإقليم، وهو ما يعتبرونه محاولة أخرى من قبل ساسة جاكرتا لمزيد من السيطرة على الإقليم وثرواته، مهددين حكومة جاكرتا بمزيد من الهجمات في المناطق التي سيعاد تقسيمها، باستهداف كل من يتولى مناصب جديدة في الأقاليم وما يتبعها من محافظات ومدن جديدة.

وبلغ الأمر في رسائلهم حدّ التهديد بقتل كل من يأتي من جزر إندونيسية أخرى ليعمل في الإدارات الجديدة. وقد خاطبت القيادة العسكرية لمنظمة بابوا المستقلة الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو ونائبه معروف أمين قبل أيام، مطالبة بوقف إقرار قوانين تقسيم إقليم بابوا، وتنفيذ تجديد حكمها الخاص، معلنين أنهم يطالبون بحق تقرير المصير.

وأمام مثل هذه التهديدات، أرسلت الشرطة الإندونيسية نحو 300 من قوتها المقاتلة، تحسبا لوجود تيار يرفض قرارات الحكومة في بعض مناطق إقليم بابوا، كما وصل إلى إقليم بابوا قبل إقرار القانون بيوم نحو 400 جندي إضافي من القوات البرية الجيش الإندونيسي.

اقرأ ايضاً
ردا على تقييد وصول البضائع إلى كالينينغراد.. روسيا تتوعد ليتوانيا وأوروبا تدعو موسكو لحل المشكلة دبلوماسيا

وقد شهدت بابوا خلال الأسابيع والأشهر الماضية سلسلة من المظاهرات والاحتجاجات الرافضة لقوانين التقسيم وتجديد قانون الحكم الذاتي الخاص بالإقليم، إلى جانب أحداث دامية تستهدف رجال الأمن والجيش ومواطنين على يدّ التيار الانفصالي.

وبحسب تقرير للشرطة في بابوا، فإن العام الماضي شهد تصاعدا في حوادث العنف المسلح، من 46 حادثة عنف مسلح أو مواجهات سقط فيها 9 قتلى في الإقليم عام 2020، إلى 92 حادثة عنف مسلح من قبل المسلحين الانفصاليين عام 2021، قتل خلالها 34 شخصا من الجيش والشرطة والمدنيين، فضلا عن 33 جريحا، إضافة إلى مقتل 12 شخصا من المجموعة الانفصالية بحسب الشرطة الإندونيسية في إقليم بابوا.

Indonesia's President Joko Widodo walk during his visit at Arfak mountain regency in West Papua province
Iلرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو في زيارة لإقليم بابوا الغربية (رويترز)

رفض مجلس شعب بابوا

وممن يرفض القوانين الخاصة بتقسيم بابوا ما يعرف بمجلس شعب بابوا الذي يمثل قيادات مجتمعية وقبلية وسياسية ودينية محلية، ممثلا لمئات القبائل المحلية، حيث يشكك أعضاؤه بمسوغات تقسيم الإقليم على استعجال بحسب قولهم، ويرفضون الأسس القانونية لهذا التقسيم، متسائلين عن عدم التجاوب مع مطالب الشعب في بابوا نفسها، حيث يأتي إقراره كما يقولون دون موافقة مجلس بابوا كحال قوانين سابقة خاصة بالإقليم المتوتر.

ويشير تيموتيوس مريب رئيس مجلس شعب بابوا إلى أن مسؤولا كبيرا في مكتب الوزير المنسق للشؤون السياسية والأمنية والقانونية الإندونيسي، حدثه بأن تقسيم الإقليم يهدف إلى التضييق على مساحات تحرك التيار الانفصالي المسلح فيه، كما أن ذلك سيسمح ببناء المزيد من مراكز الشرطة والجيش في المحافظات والبلديات تحت إدارة الأقاليم بشكلها الجديد. لكن ذلك التصريح لم يتم تأكيده من قبل مصادر رسمية أخرى.

وقبل ذلك كان مجلس شعب بابوا قد اعترض على قانون الحكم الذاتي الخاص الذي أقر في يوليو/تموز من العام الماضي، بعد 20عاما من إقرار نسخته الأولى، كما يجد القانون رفضا من قبل نحو 10 منظمات مجتمعية محلية، مقابل تأييد فئات أخرى من البابوويين المؤيدين لقرارات الحكومة، حيث أعلن هؤلاء في وقفات واجتماعات تأييدهم للتقسيم الجديد للإقليم، فيما اختلف البعض حول المدن التي ستصبح عواصم للأقاليم الثلاثة الجديدة.

People burn tires during a protest at a road in Manokwari, West Papua, Indonesia
احتجاجات وأعمال شغب في بابوا الغربية للمطالبة بحق تقرير مصير الإقليم (رويترز)

أفقر الأقاليم والنهوض به

يطرح نشطاء أسئلة عن إمكانية نجاح تقسيم الإقليم إلى أقاليم أصغر مساحة في تحقيق ما يهدف المشروع الإداري السياسي هذا إليه من رفع لمستوى المعيشة والأمن والاستقرار ورفاهية المواطنين، في منطقة تشهد أعلى معدلات الفقر في إندونيسيا رغم أن فيها من الثروات الكثير، ومن ذلك النفط والغاز والذهب والنحاس والفحم والنيكل وإمكانات زراعية وثروة بحرية وغابية هائلة.

فبحسب دائرة الإحصاء الإندونيسية -في آخر الأرقام المنشورة قبل نحو أسبوعين- فإن نسبة الفقر على المستوى الوطني هي 9.71%، لكنها ترتفع في إقليم بابوا إلى 27.38% وفي بابوا الغربية إلى 21.82%، يأتي بعدهما إقليم نوساتنغارا الشرقية الواقع في الجنوب الشرقي للبلاد غير بعيد عن بابوا، بنسبة 20.44%، أما الأقاليم الأخرى فإنها تشهد معدلات فقر دون 20%، وبصورة عامة فإن أفقر 10 أقاليم في البلاد تقع في الشمال والشرق من خارطة جزر إندونيسيا، باستثناء آتشيه في أقصى غرب البلاد.

ولهذا فإن تقسيم إقليم بابوا يستحضر تطلعات واسعة بين أوساط المجتمع البابووي عن أثر ذلك مستقبلا على حياتهم فعليا من حيث التنمية البشرية ومستويات الخدمات التعليمية والصحية والإدارية، والاستقرار الأمني والسياسي في وجه حركة انفصالية تزداد هجماتها منذ عام 2019.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى