الاخبار العاجلةسياسة

الانتهاكات التاريخية للكنيسة الكاثوليكية ضد السكان الأصليين.. محور زيارة بابا الفاتيكان لكندا

باريس- في رحلة روحية من أجل “التوبة” و”الاعتذار”، وتحت عنوان “السير معا”، يبدأ بابا الفاتيكان فرانشيسكو اليوم الأحد زيارة إلى كندا تمتد أسبوعا.

وتأتي الزيارة في إطار الاعتذار الذي يعتزم البابا تقديمه لجماعات السكان الأصليين عن الانتهاكات التاريخية التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية في حقهم.

وقال الفاتيكان في وقت سابق “إن البابا سيزور إدمونتون وكيبيك وإيكالويت، وهي زيارة سيجدد خلالها اعتذاره التاريخي عن مأساة المدارس الداخلية التي كانت تديرها الكنيسة”. وسيلتقي البابا خلال هذه الزيارة، سكانا أصليين نجوا من انتهاكات ارتكبت في هذه المدارس.

Canada's first National Day for Truth and Reconciliation
سكان كندا الأصليون يناهز عددهم 1.4 مليون نسمة (رويترز)

الاستعمار الأيديولوجي

وقبل أسبوع من مغادرته في رحلته الرسولية 37، أكد البابا لرويترز، أن رحلته إلى كندا ستكون بمثابة “رحلة “توبة” و”تكفير عن الذنب”.

وفي الربيع الماضي، وخلال استقباله مجموعات عديدة من المجتمعات الأصلية في الفاتيكان، أعرب البابا عن “سخطه وخزيه” وقدّم اعتذاره لممثلي المجموعات، وندد بـ “الاستعمار الأيديولوجي” الذي وقع العديد من الأطفال ضحاياه.

ويعاني سكان كندا الأصليون، الذين يناهز عددهم 1.4 مليون نسمة، من مستويات مرتفعة من الفقر، كما تقل معدلات أعمارهم عن المستوى العام لدى الكنديين.

ويعرف ممثلو الشعوب الأصلية لكندا، بالميتيس والإنويت والأمم الأولى، أو كما يطلق عليهم في كندا “ريد ريفير ميتيس” (Red River Métis)، وهم موجودون بشكل رئيسي في مروج شمال غرب كندا ومانيتوبا.

وعلى ضوء زيارة البابا فرانشيسكو إلى كندا، أعلنت الحكومة الكندية ممثلة في مكتب الخدمات والعلاقات الخاصة بالشعوب الأصلية، مساعدتها بتقديم مبلغ 35 مليون دولار كندي لتمكين الشعوب الأصلية والمنظّمات المتّصلة بها من السفر والمشاركة بالحدث.

Indigenous delegates visit Vatican
وفد من سكان كندا الأصليين زار الفاتيكان في مارس/آذار الماضي (رويترز)

إبادة ثقافية جماعية

وتاريخيا، تعود قصة المدارس الداخلية، لأول رئيس وزراء كندي السير جون ماكدونالد، الذي ارتبط اسمه -حسب الناشطين من السكان الأصليين- بـ”السياسات القاسية” التي “قتلت” العديد من السكان الأصليين في أواخر القرن الـ19.

وقد وجهت اتهامات لماكدونالد بترك المجاعة والأمراض تفتك بالعديد من السكان الأصليين، وأجبرت حكومته بعض مجتمعات السكان الأصليين على مغادرة أراضيهم التقليدية، وتم حجب الطعام عنهم حتى رضخوا وفعلوا ذلك.

وكان ماكدونالد رئيسا لوزراء كندا لمدة 19 عاما في الستينيات والتسعينيات من القرن الـ19، وهو معروف بسياساته الخاصة ببناء الأمة، لكنه وضع أيضا نظام المدارس الداخلية.

بينما تعود أطوار قضية الانتهاكات إلى أواخر القرن الـ19 حتى القرن الـ20، حين فصل النظام التعليمي الداخلي في كندا نحو 150 ألف طفل من السكان الأصليين عن ذويهم قسرًا، وأجبروا على الالتحاق بـ139 مدرسة داخلية في أنحاء كندا في إطار سياسات حكومية تهدف إلى الدمج القسري.

وتعرض كثير منهم لسوء المعاملة والإهمال والاغتصاب وسوء التغذية، في ما وصفته لجنة الحقيقة والمصالحة الكندية عام 2015 بأنه “إبادة ثقافية جماعية”. ومات ما بين 3 آلاف و6 آلاف طفل داخل جدران هذه المدارس الداخلية، حسب اللجنة ذاتها.

وكان الهدف المعلن للمدارس، التي عملت بين عامي 1831 و1996، هو دمج أطفال السكان الأصليين، وكانت تدار من طوائف مسيحية نيابة عن الحكومة، وأدارت الكنيسة الكاثوليكية معظمها.

اقرأ ايضاً
ستراتفور: ما الذي ينبغي مراقبته مع استئناف محادثات النووي الإيراني؟

وأشارت لجنة الحقيقة والمصالحة التي أُطلقت عام 2008 لتوثيق آثار هذا النظام، أن أعدادا كبيرة من أطفال السكان الأصليين لم يعودوا أبدا إلى مجتمعاتهم المحلية. كما لم يُسمح لهم في كثير من الأحيان بالتحدث بلغتهم الأصلية أو ممارسة ثقافتهم، وتعرض الكثير منهم لسوء المعاملة والإيذاء. وفي نفس العام، اعتذرت الحكومة الكندية رسميا عن هذا النظام.

وكان موراي سينكلير، الرئيس السابق للجنة الحقيقة والمصالحة الكندية، قال حينها، إن نحو 6 آلاف طفل ماتوا في تلك المدارس لأسباب مثل المرض أو الإهمال أو الحوادث، كما أن الاعتداء الجسدي والجنسي كان شائعا أيضا فيها.

ومنذ عام 2007 توصلت الحكومة الكندية لتسويات مع الآلاف من الناجين الأحياء، ودفعت أكثر من 2.3 مليار دولار على شكل تعويضات، فيما تعتبر أكبر تسوية دعاوى جماعية في التاريخ الكندي.

وكان 15 ألف مواطن كندي من هؤلاء المتضررين قد رفعوا دعاوى قضائية ضد الجهتين المسؤولتين عن تلك المدارس في كندا، وهما الحكومة والكنيسة.

Statue of Canada's first prime minister, Sir John A. MacDonald, is prepared for transport in Kingston
تمثال لأول رئيس وزراء كندي السير جون ماكدونالد الذي وضع نظام المدارس الداخلية (رويترز)

معركة هوية

وعادت قضية الانتهاكات إلى الواجهة مرة أخرى في مايو/أيار 2021 حينما عثر على 1300 قبر مجهول، ومع اكتشاف رفات 215 طفلا كانوا في المدرسة الداخلية الهندية السابقة في كاملوبس بمقاطعة كولومبيا البريطانية الغربية التي أُغلقت عام 1978. وكان بعض الأطفال لا تزيد أعمارهم على 3 سنوات.

وأثار هذا الاكتشاف غضبا وسخطا شديدين في البلاد، ومطالب جديدة للمساءلة. وجرى منذ ذلك الحين العثور على المئات من مواقع الدفن التي لم تكن معروفة أو مميزة.

وأعلنت روزان كازيمير، رئيسة مجموعة الأمة الأولى عن اكتشاف المقبرة الجماعية. وتعتبر مجموعة الأمة الأولى، إحدى كبرى المجموعات العرقية المتبقية من أمة شوسواب الهندية القديمة، التي كانت تستوطن بريتيش كولومبيا قبل استعمارها.

وقالت إحدى الناجيات من المدارس الداخلية وتدعى إيفلين كاميل، لوسائل إعلام كندية حينها، “لقد تم بناء المدارس الداخلية خصيصا لإخراج الروح الهندية منا”. وأضافت “أصبحت أخجل من هويتي، هذا ما علمتني إياه المدارس الداخلية”.

000 9NG882
نصب تذكاري وزهور لتأبين أطفال من السكان الأصليين عثر على رفاتهم قرب مدارس كاثوليكية (الفرنسية)

وتم افتتاح المدرسة حيث عثر على القبر الجماعي تحت إدارة الروم الكاثوليك عام 1890، وكان بها ما يصل إلى 500 تلميذ عندما بلغ التسجيل ذروته في الخمسينيات من القرن الماضي.

وتم إرسال العديد من الأطفال للعيش في المدرسة على بُعد مئات الأميال من عائلاتهم. وتولت الحكومة المركزية إدارة المدرسة عام 1969. بين ذلك الحين وعام 1978، تم استخدامها كمسكن للطلاب الملتحقين بالمدارس النهارية المحلية.

وطالب رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، حينها الكنيسة الكاثوليكية بأن “تتحمل المسؤولية” عن دورها في المدارس الداخلية للسكان الأصليين.

بينما أكدت وزيرة علاقات السكان الأصليين الكندية كارولين بينيت، أن المدارس الداخلية جزء من سياسة استعمارية “مخزية”، وقالت إن الحكومة ملتزمة “بإحياء ذكرى الأرواح البريئة المفقودة”.

وبدأ نظام المدارس الداخلية في التلاشي، وقد تم إغلاق المدرسة الأخيرة عام 1996. وحتى يومنا هذا، لا توجد صورة كاملة لعدد الأطفال الذين ماتوا في المدارس الداخلية أو ظروف وفاتهم أو مكان دفنهم.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى