اقتصاد

هل عاد بايدن من الشرق الأوسط خالي الوفاض؟

أظهر رد أسعار النفط في السوق الدولية أن نهج الولايات المتحدة لإعادة ضبط تحالفاتها مع العديد من دول الشرق الأوسط لم يحقق هدفه الأولي، وعلى ما يبدو أنه ليس هناك استعداد جماعي لضخ النفط للمساعدة في خفض الأسعار.

وفي مقال نشرته صحيفة “أتلايار” (atalayar) الإسبانية، تقول الكاتبة كلاوديا لونا بالنسيا إنه في التاسع من يوليو/تموز الحالي كتب الرئيس جو بايدن مقالا لصحيفة “واشنطن بوست” (The Washington Post) أوضح فيه للجمهور جميع أسباب رحلته إلى إسرائيل والضفة الغربية والمملكة العربية السعودية، ولقاءه بقادة دول الخليج. في هذا النص، كرر بايدن أنه سوف “يستخدم كل دبلوماسيته معهم”.

وكتب بايدن “إن وجود شرق أوسط أكثر أمنًا وتكاملا يعود بالفائدة على الأميركيين من نواحٍ عديدة، فقنواتها المائية ضرورية للتجارة العالمية وسلاسل التوريد التي نعتمد عليها، وموارد الطاقة فيها حيوية للتخفيف من التأثير على الإمدادات العالمية للحرب الروسية في أوكرانيا. والمنطقة التي تتحد من خلال الدبلوماسية والتعاون -بدلًا من التفكك من خلال الصراع- من غير المرجح أن تؤدي إلى تطرف عنيف يهدد وطننا أو حروب جديدة يمكن أن تضع أعباء جديدة على القوات العسكرية الأميركية وعائلاتهم”.

وبينت الكاتبة أن بايدن -بنشر مقالته- حاول تهدئة الانتقادات لاختياره لقاء الأمير السعودي المثير للجدل محمد بن سلمان، المشتبه في ضلوعه في جريمة القتل البشعة التي تعرض لها الصحفي والناقد السعودي جمال خاشقجي. وكان بايدن دان علانية محمد بن سلمان خلال حملته الانتخابية لعام 2018، وتعهد بجعل المملكة العربية السعودية منبوذة.

وقال بايدن أيضا في مقاله “أعلم أن هناك الكثير ممن لا يتفقون مع قراري بالسفر إلى السعودية. آرائي حول حقوق الإنسان واضحة وطويلة الأمد، والحريات الأساسية دائمًا ما تكون على جدول الأعمال عندما أسافر إلى الخارج، كما ستكون خلال هذه الرحلة تمامًا كما ستكون في إسرائيل والضفة الغربية”.

وأضافت الكاتبة أن الأمر لم يكن سهلًا أو مريحا على الإطلاق، فقد تحوّل لغز الشرق الأوسط لعقود من الزمن إلى صندوق بارود مع مناطق متنازع عليها، وقتال بين الفصائل المسلمة (السنة مقابل الشيعة)، والعداوات الجغرافية بين الجيران والخلافات القديمة حول مصالح قوى مثل الولايات المتحدة وروسيا، في وقت تطبق فيه الصين سياستها الصامتة لدخول المناطق من خلال فتح صنبور الاستثمارات في البنية التحتية والجمعيات التجارية.

ولفتت الكاتبة إلى أنه نتيجة لغزو القوات الروسية الحالي لأوكرانيا ورد الولايات المتحدة، فرض الاتحاد الأوروبي ودول أخرى سلسلة من العقوبات الصارمة على روسيا، والتي تعد أيضا موردا مهمًّا للنفط ولكن بشكل أساسي مصدرا للغاز بالنسبة للأوروبيين.

وهناك فقاعة جديدة في سوق النفط -عمليا في جميع السلع- مع تصعيد كبير يتأثر بالآثار الجانبية للحرب في أوكرانيا، والاضطرابات في الأسواق، وتغير المناخ، والتغيرات بين العرض والطلب.

ولا يتمثل الأمر المثير للقلق فقط في نقص الإمدادات من الحبوب الأوكرانية وغيرها من الإمدادات الغذائية التي تنتجها أوكرانيا، ولكن أيضا تلك التي توفرها روسيا والتي لا تصل إلى البلدان كما كان يحدث عادة قبل 24 فبراير/شباط الماضي، عندما بدأ غزو أوكرانيا.

وأفادت الكاتبة بأنه مما يثير الفزع أن التغيرات في أسعار البترول تضرب البلدان المستوردة والدول الأكثر اعتمادًا على هذه المواد الأحفورية حتى الاختناق، مما يثقل كاهل توقعات النمو الاقتصادي ويؤجج تضخما سينتهي به الأمر إلى التهام القدرة الشرائية للناس وأجور العمال.

وفي حين ازداد حق النقض على النفط الروسي، عن طريق البحر أو عبر خطوط الأنابيب، منذ يونيو/حزيران الماضي وفقًا لما تم الاتفاق عليه في الاتحاد الأوروبي، فإن الأمر متروك لروسيا لاتخاذ خطوة في هذه الحرب المعقدة ولعبة الشطرنج الجيوسياسية، وأن يبدأ الكرملين في خفض مبيعاته من الغاز لأوروبا الذي يمثل نقطة ضعفه.

في هذا السياق، حذر محللون دوليون بعد بدء الغزو قائلين إن سوق الطاقة العالمية ستدخل في مرحلة اختلال خطير يمكن أن يرفع الأسعار إلى مستويات لم تشهدها من قبل، إذا بدأت الولايات المتحدة وأوروبا حق النقض أو المقاطعة.

وأبرزت الكاتبة أن أسعار النفط حساسة لصدمات العرض والطلب والأحداث العالمية والكوارث الطبيعية والحروب، ومرة أخرى يزيد سعر البرميل عن 100 دولار كما كان قبل 50 عاما، وهو ينذر بمواصلة الصعود.

بايدن.. جولة بنتائج خجولة

وبينما عاد الرئيس الأميركي جو بايدن إلى البيت الأبيض بعد جولته في عدة دول في الشرق الأوسط، ارتفع نفط برنت بنسبة 5.05%، ليتم بيعه بـ106.27 دولارات عند التسليم في سبتمبر/أيلول المقبل.

وأضافت الكاتبة أن بايدن فشل في إقناع الدول العربية، المنتجة الرئيسية للنفط، بزيادة إنتاجها من الخام من أجل تقليص أسعار النفط وإيقاف التضخم، وعلى ما يبدو أنهم يستخدمون النفط سلاحا مرة أخرى، وفي ذلك رسالة واضحة لبايدن وحلفائه الذين يدعمون أوكرانيا، لأنه لا إسرائيل ولا السعودية ولا أي دولة أخرى في الخليج متورطة في العقوبات ضد روسيا.

اقرأ ايضاً
أمانة الحدود الشمالية تطلق عدداً من الفرص الاستثمارية لشهر يوليو 2022م

وتجدر الإشارة إلى أن سلفه في البيت الأبيض دونالد ترامب حافظ على علاقة وثيقة للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو، حتى على أساس شخصي.

في ذلك الوقت، اتخذ ترامب قرارات مثيرة للجدل في ديسمبر/كانون الأول 2017 حيث أعلن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفي مايو/أيار 2018 نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وهو الاعتراف الذي أجج فتيل غضب الفلسطينيين الذين يطالبون بالقدس في إطار حل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية، كما قطع ترامب الأموال التي ترسلها الولايات الأميركية للفلسطينيين بنحو 360 مليون دولار عبر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” (UNRWA).

وأبرزت الكاتبة أن بايدن ذهب إلى إسرائيل لتقوية علاقته مع شريك إستراتيجي في الشرق الأوسط، شهد في الأشهر الأخيرة تدهور علاقته مع روسيا، في ضرر جانبي من غزو أوكرانيا.

على الرغم من أن إسرائيل لم ترغب في التورط كثيرًا -إذ لم تنضم إلى العقوبات-، فإنها أرسلت خوذات وسترات وإمدادات للجيش الأوكراني في كييف، ولم تستجب لطلبات فولوديمير زيلينسكي بإعارة نظام الدفاع الجوي المعروف باسم القبة الحديدية. كما صوتت إسرائيل داخل مجلس الأمن على طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان.

وأفادت الكاتبة بأن واشنطن -مستغلة هذا الضعف في العلاقات الروسية الإسرائيلية- تنوي ثني إيران عن الاستمرار في نواياها للحصول على قنبلة نووية، والسعي إلى دور أكثر فاعلية مع روسيا من خلال التورط في الحرب ضد أوكرانيا.

في الوقت ذاته واصلت كل من إيران وروسيا سياسة التقارب لدرجة أن طهران ستبيع مئات الطائرات دون طيار إلى الكرملين لاستخدامها في أوكرانيا.

في المقابل، سعى البيت الأبيض إلى تحقيق أجندة في الشرق الأوسط تم الوفاء بها جزئيا، لأن بايدن عاد إلى بلاده دون أي اتفاقية رئيسية موقعة مع السعودية أو بقية دول الخليج، خاصة على صعيد الأمن والدفاع ضد إيران، وإقامة إسرائيل علاقات جديدة مع دول أخرى في المنطقة.

وفي إسرائيل وقّع اتفاقية مشتركة لمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية، على الرغم من أن بايدن كرر أنه على استعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات مع طهران لإعادة تأسيس الاتفاقية النووية لعام 2015 التي تخلى عنها ترامب -من جانب واحد- بعد 3 سنوات من بداية مدته الرئاسية، كما سافر إلى الضفة الغربية للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيت لحم، والذي أكد له دعمه لحل الدولتين (على عكس موقف الجمهوري ترامب) وكرر أن الشعب الفلسطيني “يستحق دولته الخاصة”.

وأفادت الكاتبة بأنه أمام رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، أعلن الرئيس الأميركي عن منح 201 مليون دولار لبرامج الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، وعرض خطة بقيمة 100 مليون دولار لتعزيز المستشفيات الفلسطينية. في المقابل طالب الزعيم الفلسطيني بايدن بشطب منظمة التحرير الفلسطينية من قائمة الإرهاب، وإعطاء الضوء الأخضر لفتح مكتب فلسطيني في واشنطن.

الشركاء الآخرون

وتعد منطقة الشرق الأوسط معقدة من حيث المصالح الاقتصادية وتداخلاتها السياسية، كما تحتوي المنطقة على العديد مما يسمى بالصراعات الساخنة. في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة مهتمة بالحفاظ على علاقة إستراتيجية مع السعودية لموازنة خطط إيران لدور أكبر في المنطقة بدعم من روسيا.

في هذا السياق، تنتج شركة أرامكو السعودية للنفط 10.3 ملايين برميل من النفط يوميا، ووفقًا للولايات المتحدة، فقد يكون لديها هامش لضخ ما يبلغ 12 مليون برميل يوميا.

ومع ذلك، فشل بايدن في إقناع النظام السعودي لصالح زيادة إنتاجه اليومي، ويعتقد وزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان أن ذلك سيستمر حتى عام 2026 أو 2027 عندما تكون البلاد في وضع يمكنها من زيادة الإنتاج إلى 13.4 مليون برميل يوميًّا.

بالإضافة إلى ذلك، لم يحصل بايدن على مزيد من النفط ولم يحصل على أي اتفاق محدد مع دول الخليج بعد الاجتماع الذي عقد في جدة بالسعودية يوم 16 يوليو/تموز الجاري مع قادة الكويت والبحرين وقطر والأردن والعراق وعمان ومصر والإمارات العربية المتحدة والبلد المضيف.

وأضاف بايدن في بيانه أن “الولايات المتحدة ملتزمة ببناء مستقبل إيجابي في المنطقة، بالشراكة معكم جميعًا، ولن نغادر وسنظل يقظين ولن ننسحب، ولن يكون هناك فراغ تستغله الصين أو روسيا أو إيران”.

وأكدت الكاتبة -في ختام مقالها- أن قادة الدول العربية استمعوا إليه لكن لم يؤيد أي منهم دعم الولايات المتحدة في عقوباتها ضد روسيا، ولم يُظهروا دعمهم لأوكرانيا، فلا أحد يدعم مزاعم واشنطن بالتوقيع على إنشاء اتفاق أمني إقليمي كبير، ويبدو أن السياسة الإمبريالية الأميركية تواجه فراغًا في الشرق الأوسط، وفي المقابل تتقدم الصين باستثماراتها وسياستها “الودية” لإنشاء طريق الحرير الجديد.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى