الاخبار العاجلةسياسة

اعتقالات فرنسا تجدد سؤال تهريب الآثار المصرية للإمارات

القاهرة – لسنوات طويلة لا تكاد تنتهي قضية لتهريب الآثار المصرية حتى تبدأ أخرى، وبينما تبوء محاولات بالفشل تنجح أخرى حتى امتلأت متاحف العالم بقطع الآثار المصرية التي وصلت إليها عبر التهريب.

أحدث تلك القضايا هي وصول قطع آثار مصرية إلى متحف لوفر أبو ظبي، وهي القضية المتهم فيها مسؤولون في فرنسا، ولا تزال أصداؤها تتردد.

وقبل أيام ألقت السلطات الفرنسية القبض على مديريْن سابقيْن لهيئة المتاحف الفرنسية، في إطار التحقيقات في قضية التجارة غير المشروعة وتهريب قطع أثرية مهربة من مصر إلى الإمارات، الأمر الذي أعاد قضايا تهريب الآثار المصرية للواجهة.

ووفقا لصحيفة ليبراسيون (Liberation) الفرنسية، يشتبه في أن عالميْ الآثار جان فرانسوا شارنييه ونويمي دوسي فضلا بيع عدد من الآثار المصرية لمتحف لوفر أبو ظبي مقابل أكثر من 50 مليون يورو على الرغم من تنبيهات بشأن احتمالية أن يكون مصدرها احتياليا.

لوفر أبو ظبي

بدأت القصة بجدل واسع ثار عام 2017 عند افتتاح معرض لوفر أبو ظبي والإعلان عن وجود عشرات القطع الأثرية المصرية، واستنكر خبراء آثار تنصل السلطات المصرية من تحمل المسؤولية تجاه هذه الآثار تحت ذريعة خروجها قبل صدور قانون حماية الآثار في عام 1983.

حينها اتهم رئيس تحرير صحيفة الأهرام المصرية الأسبق عبد الناصر سلامة السلطات بالتفريط في الآثار لصالح الإمارات، وتساءل سلامة في مقال له عن سبب صمت السلطات المصرية إزاء إعلان الإمارات عرض آثار مصرية نادرة بالمعرض، مشيرا إلى أن الرئيس السابق حسني مبارك أوقف هذا المشروع في 2008 حينما خاطب الحكومة الفرنسية وحذرها من نهب الآثار المصرية أو تحويلها إلى بضاعة تباع وتشترى بمشروعات متحفية تقام في دول أخرى.

ونفى المسؤولون المصريون وقتها أن تكون القاهرة قد أرسلت أي قطع أثرية للعرض في المتحف، وقالوا إن اللوفر أبو ظبي استعار 600 قطعة من متحف اللوفر الفرنسي، بينها قطع مصرية، وفق تصريحات وزير الآثار خالد العناني وقتها، وإن المتحف قام باستعارة قطع أثرية مصرية من 10 متاحف أخرى في فرنسا، قبل أن تكشف التحقيقات الفرنسية أن المتحف يمتلك بالفعل قطعا خرجت من مصر بشكل غير قانوني.

تورط فرنسي

وفي يونيو/حزيران 2020 وجهت محكمة فرنسية اتهامات إلى كريستو كونيكي الخبير الفرنسي في آثار منطقة المتوسط وعضو جمعية المصريات الفرنسية وشريكه ريشار سمبير للاشتباه في قيامهما بغسل قطع أثرية منهوبة من دول عدة شهدت عدم استقرار سياسي منذ 2010، ولا سيما مصر وليبيا واليمن وسوريا.

وفي عام 2021 أعلن رئيس السابق لمتحف اللوفر في باريس جان لوك مارتينيز الاستقالة بعد أنباء عن علاقته بتهريب الآثار من الشرق الأوسط، الأمر الذي تسبب في إحراج وزارتي الثقافة والخارجية الفرنسيتين، حسب صحيفة “غارديان” (The Guardian) البريطانية.

وقالت صحف فرنسية إنه يُشتبه في أن مارتينيز “غض الطرف” عن شهادات مزورة لقطع أثرية، بينها قطعة تم تهريبها خلال السنوات الأولى من العقد الماضي، وتمثل شاهدا ضخما من الغرانيت الوردي مختوما بالختم الملكي لتوت عنخ آمون فرعون مصر بين عامي 1334 و1325 قبل الميلاد، والذي اشتهر بفضل مقبرته وكنوزه الذهبية.

وقبل أيام كشفت صحيفة “ليبراسيون” أن السلطات الفرنسية قررت احتجاز المديريْن التنفيذيين السابقين لوكالة متاحف فرنسا، وهما جان فرانسوا شارنييه ونويمي دوسي.

وأوضحت الصحيفة أنه -حسب المحققين- فقد تم الحصول على 7 قطع من مصدر غير مشروع من خلال الخبير كونيكي مقابل أكثر من 50 مليون يورو.

تنصل إماراتي وشبهات حول السفير

من جانبها، تنفي دولة الإمارات أي علاقة لها بقضية التهريب، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية قبل أسابيع عن وزيرة الثقافة الإماراتية نورة بنت محمد الكعبي قولها إنه عندما حدثت القضية الأخيرة المرتبطة بالاتجار المؤسف أصبحنا نساعد في التحقيق والتأكد من تقدمه بشكل واضح.

أما متحف لوفر أبو ظبي فيرى أنه “ضحية لعمليات اتجار بالآثار”، حسبما أفاد في السابق أحد محامي المتحف الإماراتي.

في المقابل، دار حديث في مصر نهاية العام الماضي حول احتمال تورط سفير الإمارات السابق لدى القاهرة حمد سعيد الشامسي في تهريب الآثار، وتحدثت تقارير صحفية عن ورود اسم الشامسي في ما تعرف إعلاميا في مصر بقضية الآثار الكبرى المتهم فيها رجل الأعمال المصري حسن راتب والنائب البرلماني السابق علاء حسنين بتمويل وتهريب الآثار.

ونشر السفير المصري السابق محمد مرسي -على صفحته بموقع فيسبوك- أن قرار ترحيل الشامسي جاء “بعد أن كشفت التحقيقات عن تورطه في تهريب الآثار المصرية بالحقائب الدبلوماسية الإماراتية”، قبل أن يقوم مرسي بحذف المنشور لاحقا.

وتبعه حينها السياسي والأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله الذي نشر عبر تويتر أن أحد سفراء الدولة ارتكب أخطاء خلال عمله سفيرا، لافتا إلى أنه يخضع للتحقيق، قبل أن يحذف التغريدة في وقت لاحق، من دون أن يعتذر عنها كما فعل الدبلوماسي المصري.

آثار مصر في مهب الريح

وتعاني مصر من عمليات واسعة لسرقة الآثار وتهريبها منذ عشرات السنوات، وازدادت هذه الجرائم عقب الانفلات الأمني الذي أعقب ثورة يناير/كانون الثاني 2011، ونُهبت آثار من متاحف ومساجد ومخازن، علاوة على عمليات التنقيب السري التي يقوم بها مواطنون.

وحسب وزارة الآثار المصرية، فقدت البلاد نحو 33 ألف قطعة أثرية خلال أكثر من نصف قرن، وذلك بناء على أعمال حصر قامت بها، مشيرة إلى أن حصر القطع سيفيد في تتبعها مع الإنتربول الدولي والجهات الدولية والمحلية الأخرى المعنية من أجل استردادها، ولم تقدم الوزارة تفاصيل أكثر عن كيفية فقدان تلك القطع الأثرية وأبرز نماذجها.

اقرأ ايضاً
في ظل اتهامات لروسيا بمنع تصدير القمح من أوكرانيا.. وزير خارجية إيطاليا: "حرب الخبز العالمية" بدأت

وحسب دراسات قام بها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية هناك 25 ألف قضية تنقيب واتجار في الآثار خلال 12 سنة، بما يعادل ألفي قضية كل عام.

أبرز الآثار المهربة

داخل متحف برلين في ألمانيا -الذي يضم أكثر من ألفي قطعة مصرية- تستقر إحدى أهم القطع التي تم تهريبها من مصر، وهي رأس الملكة نفرتيتي زوجة الملك أخناتون وأهم ملوك الأسرة الـ18، حيث اكتشفها عالم الآثار الألماني بورشاردت عام 1912، وحجب أهمية الكشف عن الدولة المصرية حتى تتسنى له فرصة تهريبها، ونجح بورشاردت في تهريب الرأس المكونة من الحجر الجيري وعرضها في متحف برلين للمرة الأولى عام 1924.

وإضافة إلى رأس نفرتيتي هناك عدد من الآثار النادرة أصبحت أيقونات عرض أساسية لعدد من أكبر متاحف العالم، منها حجر رشيد في بريطانيا، وتمثال أخناتون بفرنسا، وتمثال “عنخ حا إف” مهندس هرم “خفرع” في أميركا.

وتعد المسلات المصرية من أجمل وأبرز الآثار الفرعونية التي تعرضت للنهب والسرقة لقرون طويلة، وكان في مصر ما لا يقل عن 100 مسلة لم تبق منها سوى 5 مسلات فقط.

وفي إيطاليا وحدها توجد 8 مسلات فرعونية، أشهرها مسلة الفاتيكان التي شيدها الفرعون أمنحتب الثاني، ومسلة اللاتيران التي شيدها تحتمس الرابع، وقد نقلت أولا إلى الإسكندرية عام 330، ومنها إلى بيزنطة، ثم إلى روما، فيما توجد في فرنسا 4 مسلات، أهمها مسلة الفرعون رمسيس الثاني، وقد نقلها الفرنسيون من مصر إبان حكم محمد علي باشا، إضافة إلى مسلات أخرى تزين عددا من مدن العالم، منها لندن ونيويورك وإسطنبول.

محاكمات شهيرة

وخلال العقد الماضي تم اكتشاف قضيتين اشتهرتا بلقب “قضية الآثار الكبرى”، الأولى شهدت تهريب أكثر من 20 ألف قطعة أثرية إلى إيطاليا عبر الحقائب الدبلوماسية، وتورط فيها بطرس رؤوف غالي (شقيق وزير المالية الأسبق المصري بطرس غالي)، والقنصل الفخري الإيطالي السابق ولاديسلاف أونكر سكاكال وآخرون، وانتهت بمعاقبة غالي وآخرين بالسجن 30 عاما وغرامة مالية قدرها 5 ملايين جنيه مصري (الدولار يساوي 18.91 جنيها).

القضية الثانية التي اشتهرت بلقب “قضية الآثار الكبرى” ضمت رجل الأعمال المصري البارز حسن راتب والنائب البرلماني السابق علاء حسانين اللذين تم تقديمهما للمحاكمة بتهمة تكوين تشكيل عصابي مكون من 19 شخصا للاتجار في قطع أثرية منهوبة اختلست بعمليات تنقيب وحفر ممولة في مناطق متفرقة في كافة أنحاء الجمهورية، لبيعها داخل البلاد وتهريبها إلى الخارج للغرض ذاته.

وقضت محكمة مصرية في أبريل/نيسان الماضي بسجن راتب 5 سنوات وتغريمه مليون جنيه، والسجن 10 سنوات لعلاء حسانين وتغريمه مليون جنيه، ومعاقبة 4 متهمين آخرين بالسجن 10 سنوات، والسجن المشدد 5 سنوات لـ15 متهما، والسجن المشدد غيابيا 5 سنوات لاثنين آخرين.

قانون حماية الآثار

وطوال أكثر من قرن ونصف حاولت الحكومات المصرية وقف تدفق الآثار الفرعونية إلى الخارج على يد بعثات الأثريات الأجنبية التي كان الاعتماد عليها بشكل رئيسي في التنقيب عن كنوز الفراعنة، وكانت البداية بمرسوم من والي مصر محمد علي عام 1835.

في كتابه “سرقات مشروعة” يقول المستشار القانوني السابق للمجلس الأعلى للآثار أشرف العشماوي إن هذا المرسوم احتوى على 3 مواد فقط، الأولى تعريف الآثار برائعة القرون الماضية، والثانية تقضي بضرورة تجميعها وما ينتج مستقبلا من الحفائر في مكان خاص بمدينة القاهرة (مبنى بحديقة الأزبكية استُخدم دارا لحفظ الآثار)، والأخيرة تنص على الحظر المطلق لتصدير الآثار في المستقبل.

وحسب العشماوي، فإن هذه القرارات لم تكن كافية لمنع عمليات السرقة، فأصدر محمد علي مرسوما آخر عام 1835 لإنشاء متحف للآثار، وأسند مهمة الإشراف عليه إلى رفاعة الطهطاوي الذي بذل جهودا كبيرة لمنع الاتجار في الآثار المصرية بالخارج، لكن بوفاة محمد علي باشا عام 1849 عادت الأمور مرة أخرى إلى المربع صفر، ولم يتوقف نهر التهريب عن الجريان.

وظل استنزاف الآثار المصرية إلى الخارج متواصلا بشكل رسمي حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983 الذي حظر الاتجار فيها، وخفض النسبة التي تحصل عليها البعثات الأجنبية من الآثار المكتشفة إلى 10% بشرط التكرار، ولأغراض البحث العلمي والعرض المتحفي فقط.

وفي فبراير/شباط 2010 تم تعديل القانون لتصبح جميع الآثار المكتشفة ملكا للدولة.

وفي 2018 تم تغليظ عقوبات نهب وتهريب الآثار، لتصل عقوبة القيام بأعمال التنقيب عن الآثار دون ترخيص إلى السجن مدة تتراوح بين 3 و7 سنوات، وبغرامة تتراوح بين نصف مليون ومليون جنيه، في حين تصل عقوبة تهريبها للخارج إلى السجن المؤبد وغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تزيد على 10 ملايين جنيه.

سعد زغلول ينقذ توت عنخ آمون

ونجحت السلطات المصرية في مرات قليلة في حماية آثارها من السرقة والتهريب، ولعل أبرزها وقوف الزعيم المصري الراحل سعد زغلول موقفا حاسما ضد خروج آثار مقبرة الملك المصري توت عنخ آمون من بلاده، حيث أمر الشرطة المصرية بالسيطرة على الموقع.

ولسنوات استمر الخلاف بين الحكومتين المصرية والبريطانية، ولجأ الطرفان إلى محاكم البلدين، ووصل الأمر للبرلمانيْن المصري والإنجليزي، وانتهى بإعلان حكومة النحاس باشا في بدايات ثلاثينيات القرن الماضي أنها لن تسمح بمغادرة أي آثار تخص توت عنخ آمون خارج البلاد.



المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى