الاخبار العاجلةسياسة

نصف عام من الحرب في أوكرانيا.. كيف يقيّم الخبراء الروس نتائجها ولماذا يصعب التنبؤ بنهايتها؟

موسكو- نصف عام مضى والحرب الروسية في أوكرانيا متواصلة، وتتوسّع معها التناقضات بين الطرفين ويتراجع الحديث عن حل سياسي. أما رقعة المواجهات الميدانية والتغيرات في الجغرافيا السياسية لأوكرانيا، فتتمدد يوما بعد يوم.

ففي غضون 6 أشهر من القتال سيطرت روسيا على مقاطعة لوغانسك بالكامل، وعلى جزء كبير من دونيتسك، بما في ذلك ماريوبول -الميناء الإستراتيجي على بحر آزوف- فضلا عن السيطرة على مناطق خيرسون وزاباروجيا وخاركيف.

وخلافا للأيام الأولى من الحرب، يتجنب المراقبون إعطاء تقديرات زمنية لتوقفها، والشروط والمعطيات الجيوسياسية الجديدة التي ستنتهي عندها.

ويدرك هؤلاء مدى صعوبة وضع توقعات واقعية بسبب الطبيعة المتغيرة للأزمة في جانبها العسكري وأبعادها السياسية، فقد عبرت الحرب منذ فترة طويلة حدود البلدين، ومن الصعب حصر تداعياتها والتحولات التي تسببت بها للمنطقة وللعالم.

h 57753139
مشهد لآثار القصف الروسي على مدينة إيربين قرب العاصمة كييف (الأوروبية)

جرد حساب

وشكلت الحرب كذلك اختبارا للآلة العسكرية الروسية، وقدرة الدولة على مواجهة العقوبات والحظر الاقتصادي والعزلة الدولية. أما بالنسبة للعواقب على المستوى الدولي، فكشفت الحرب الروسية الأوكرانية ضعف العديد من قطاعات الاقتصاد العالمي، من الغذاء إلى الطاقة.

يقول مدير مركز التنبؤات السياسية في موسكو، دينيس كركودينوف، إنه بالنظر إلى الوراء، يصبح المرء مقتنعا أكثر فأكثر بحتمية اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية واتخاذها شكلها الحالي. بل يتساءل عن الأسباب التي أدت في السابق إلى بقاء الأزمة بين البلدين في بُعدها السياسي، ولم تمزق نسيج العلاقات بين كييف وموسكو قبل اندلاع الحرب في 24 فبراير/شباط الماضي.

ويدعو كركودينوف في حديث للجزيرة نت، إلى مقاربة نصف عام على بدء الحرب الروسية في أوكرانيا من زاوية أبعادها الجيوسياسية، والتحولات التي بدأت تطرأ على منظومة العلاقات الدولية نتيجة لها.

فبرأيه، شكّلت “العملية العسكرية الخاصة لروسيا” في أوكرانيا نقطة تحول في النظام العالمي الحالي وبداية حقبة جديدة في التاريخ الروسي والعالمي الحديث.

مضايقة “الدب”

ويرى المحلل السياسي أنه لا يمكن للمجتمع الدولي بعد اليوم العودة إلى العمل في ظل الظروف السابقة، عندما كان النموذج الليبرالي الغربي هو المسيطر.

فعلى مدى الأشهر الستة الماضية، يقول كركودينوف “صمدت روسيا أمام هجوم غربي جماعي في حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ”. ومع ذلك، “تواصل موسكو بذل الجهود لتأسيس وتعزيز التعددية القطبية، بينما -في المقابل- تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها عزلها واستبعادها من التجارة الدولية والنظام المالي”.

ويتابع بأن من أهم نتائج الهجوم الروسي أنه عطل مسار كييف نحو الاندماج في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وأنهى في الوقت نفسه وإلى غير رجعة النزعة الليبرالية لدى شريحة من السياسيين الروس الذين راهنوا لسنوات طويلة على ضرورة الاندماج مع المنظومة الأمنية والسياسية والاقتصادية الغربية، حتى لو جاء ذلك على حساب جزء من السيادة والمصالح الروسية.

ويشير في هذا السياق، إلى أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ارتكب الغرب خطأ جسيمًا، تمثّل في اعتبار الخصم السابق وعاصمته موسكو مهزومًا إلى الأبد، ولم يكلف نفسه عناء تقديم أي مكان لروسيا في الهياكل الأمنية الغربية. ومع ذلك -يتابع كركودينوف- أنه بقيت لدى “الشركاء الجدد” مخاوف معينة بشأن العدو السابق في الحرب الباردة، لذلك تقرر إحاطة الجزء الرئيسي من الإمبراطورية السوفياتية -ومن بعدها روسيا- بستار حلف الناتو، ما شكّل بداية التوسّع سيئ السمعة لحلف شمال الأطلسي إلى شرق أوروبا، حسب وصفه.

اقرأ ايضاً
بايدن: أعضاء الكونغرس من الحزبين اجتمعوا على إصدار تشريعات للتصدي لآفة العنف المسلح بعد 28 عاما من التقاعس

ويعتقد المحلل أن القضايا والإشكاليات التي نشأت على خلفية الحرب، أدت إلى تعميق الخلافات بين دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فعلى الرغم من أن هذه الدول تتفق على أنه لا ينبغي هزيمة أوكرانيا، فإن الخلافات تنشأ بشكل دوري حول مسألة الضغط على روسيا.

وينهي حديثه بأنه بات من الواضح اليوم أن الحظر الاقتصادي غير قادر على احتواء روسيا -بالحد الأدنى- على المدى القصير، وأن “ورقة الطاقة” تخلق مزايا لموسكو، فضلا عن العامل الآخر الذي يلعب لصالح الكرملين وهو أزمة الغذاء، ولا سيما نقص الحبوب في الأسواق العالمية.

Vladimir Putin signs a natural gas pipeline in the Russian Far East city of Vladivostok on September 8, 2011. (DMITRY ASTAKHOV/AFP/Getty Images)
روسيا تدرك أن أزمة الطاقة التي تسببت بها لدول الغرب ستدفع هذه الدول للتراجع عن عقوباتها وعن دعمها لأوكرانيا (الفرنسية)

نقطة اللاعودة

من ناحيته، يربط محلل الشؤون العسكرية العقيد فيكتور ليتوفكين “نجاح” روسيا خلال نصف عام من الحرب في التغلب على العقوبات بتراجع حجم المساعدات الغربية لأوكرانيا، بما فيها العسكرية، وهو ما يعزز أكثر رهان موسكو على تحقيق نصر مؤكد في أوكرانيا، حسب تعبيره.

ويؤكد العقيد الروسي أن التقييم الموضوعي لسير المعارك، وحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للجيش الأوكراني والمناطق التي سقطت في أيدي القوات الروسية يدل على أن موسكو هي من تحتفظ بالمبادرة في العمليات العسكرية، وهي الطرف الأكثر قدرة على التحمل وخوض حرب استنزاف طويلة الأمد.

وبرأيه، فإن من جملة ما تحقق خلال نصف عام من الحرب، “كشف عيوب المنظومة الدفاعية والعملياتية للجيش الأوكراني، ونجاح القوات الروسية في التعامل مع الأسلحة المتطورة التي أرسلها الغرب إلى كييف، والتي برزت نتائجها بشكل واضح في الشهر الخامس من الحرب”. إلى جانب وقوع لوغانسك تحت السيطرة الكاملة للجيش الروسي، و”الإنجازات العسكرية” في منطقة خاركيف وقرب حدود منطقة زاباروجيا.

ووفق العقيد، فإن عمليات الجيش الأوكراني حاليًا “ذات طابع تخريبي” في الأساس، ولم تؤثر بشكل ملموس في مسار العملية العسكرية، كما هو الحال مع قصف القرم، واضعًا إياها في سياق محاولات التشويش على إنجازات الجيش الروسي، الذي يدخل المرحلة التالية من العملية العسكرية بتكتيك “الحد من استهلاك الموارد والتركيز على استنزاف القوات الأوكرانية”.

لا سباق مع الزمن

ولا يرى ليتوفكين أي ضرورة لوضع تقديرات زمنية لانتهاء الحرب. فبرأيه أن الطرف الأوكراني “يقاتل بالوكالة” وسيبقى الأضعف عسكريا وسياسيا، وبالتالي ستبقى العمليات محكومة بـ”السلوك الغربي”. كما يستبعد حصول “تجميد” أو تراجع في العمليات، ولا سيما إذا واصلت البلدان الغربية تقديم الأسلحة والذخائر إلى كييف.

علاوة على ذلك، يؤكد أن الغرب بدأ بالتلميح لكييف بأن الوقت قد حان لوقف الصراع المدمّر الذي طال أمده في أوكرانيا، وأن سيناريو “الدعم غير المحدود” لها سينتهي عاجلا أم آجلا، على ضوء الارتدادات السلبية للحرب والعقوبات على الدول الأوروبية نفسها، وهو ما لم يتم تضمينه في حسابات وخطط القيادة في كييف، ولا في تطلعات واشنطن لإضعاف روسيا على يد الأوكرانيين.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى