الاخبار العاجلةسياسة

مئات الضحايا وتهديد كبير للأمن الغذائي.. فيضانات باكستان بين العوامل الطبيعية والصراع السياسي

إسلام آباد- ضربت الفيضانات بشكل كارثي عدة مناطق من باكستان، وتسببت في أضرار جرّاء تدفق السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية الغزيرة، وفيضان عدة أنهار في البلاد.

وكان إقليما خيبر بختونخوا (شمالي البلاد) والسند (جنوبا) من أكثر الأقاليم تضررا، نظرا لفيضان نهري كابول وسوات في خيبر بختونخوا، ونهر السند جنوبا، بالإضافة إلى تضرر إقليم بلوشستان وجنوب إقليم البنجاب، في ما وصف بأنه أسوأ كارثة تمر على باكستان.

وقالت الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث إن عدد القتلى جراء الأمطار الموسمية وصل إلى 1033، منهم 119 قُتلوا في 24 ساعة الماضية (حتى مساء أمس الأحد).

وقالت عضوة مجلس الشيوخ ووزيرة التغير المناخي الباكستانية شيري رحمن إن البلاد تشهد “كارثة مناخية خطيرة، وهي واحدة من أصعب الكوارث في هذا العقد”.

A man wades through flood waters carrying his grand daughter on his back following rains and floods during the monsoon season in Charsadda, Pakistan August 28, 2022. REUTERS/Fayaz AzizAziz
مسن باكستاني يحمل حفيدته ويحاول اجتياز مياه الفيضانات (رويترز)

ما الذي يجعل باكستان عُرضة للكوارث الطبيعية والفيضانات؟

في خضم هذه الكارثة، تكثر التساؤلات عن الأسباب الرئيسية التي أدت إلى حدوثها، رغم تحذيرات سابقة من حدوث فيضانات ذات تأثير كارثي كبير.

ويتعلق أحد الأسباب بزيادة نسبة الأمطار الموسمية التي تعرضت لها باكستان هذا العام، التي تفوق المعدلات المتعارف عليها على مدار 30 عاما الماضية.

وشهدت باكستان منذ 25 أغسطس/آب الجاري زيادة في نسبة الأمطار بمقدار 2.8 ضعف عن السنوات الثلاثين الماضية. وسجل إقليم بلوشستان زيادة بـ5 أضعاف المعدلات السنوية، وشهدت السند زيادة مقدراها 5.5 أضعاف ما شهده الإقليم خلال العقود الثلاثة الماضية، وفقا لإحصاءات موقع “ريليف ويب” للمعلومات الإنسانية التابع للأمم المتحدة.

وذكر الموقع أن سد تاربيلا (أكبر سد مملوء في العالم) وصل إلى أقصى مستوى له لحفظ المياه، في حين تتبقى 7 أقدام لسد تشاشما في إقليم البنجاب حتى يصل إلى حده الأقصى، مما يشكل مزيدا من المخاطر على الناس في المناطق المجاورة.

من جهة أخرى، يرى شاكيل راماي الخبير في الاقتصاد السياسي ورئيس المعهد الآسيوي لبحوث الحضارة والتنمية في إسلام آباد أن قطاع المياه في البلاد من أكثر القطاعات التي تعاني من سوء الإدارة.

يقول راماي للجزيرة نت إن الأحزاب السياسية قامت بتسييس قطاع المياه، والنتيجة أن باكستان “عالقة بين كثير من المياه أو منعدمة المياه”، مما حولها إلى موطن لكوارث مائية لبعض الوقت.

وبينما تُربط الفيضانات والجفاف بتغير المناخ، يقول راماي إن الحكومات المتعاقبة تخلت عن مسؤولياتها، واستخدمت تغير المناخ شعارا وفشلت فشلا ذريعا في تحقيق أي تطوير لمواجهة تأثيراته.

من جهته، يرفض الصحفي جاويد رانا اعتبار العوامل الطبيعية فقط سبب هذه الكارثة، ويرجع الأمر إلى “الصراع السياسي الذي تشهده باكستان منذ العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية”، والذي أثر على التطوير والتنمية على مستوى السدود.

ويضيف رانا للجزيرة نت “على سبيل المثال، في إقليمي السند وخيبر بختونخوا، هناك قادة سياسيون لديهم أجندات سياسية سيئة أعاقت إلى حد ما بناء سدود كبيرة لتفادي هذه الفيضانات”.

ويشير رانا إلى حالة من الخلافات بين الأقاليم حول بناء السدود؛ فالمسؤولون بإقليم خيبر بختونخوا يرون أن هناك مخاطر كبيرة للسدود في حال انهيارها، بينما في إقليم السند لا يوافقون على بناء السدود في خيبر بختونخوا حيث يعتقدون أن ذلك يؤثر على أمن المياه لديهم وقد يواجهون نقصا في حال أقيمت السدود.

وتسود ادعاءات بأن بعض القادة السياسيين والأحزاب السياسية لديهم مصالح من توليد الكهرباء عن طريق مصادر الطاقة غير المتجددة، وفي حال بناء السدود سيتم تقليل الاعتماد على توليد الطاقة من خلال البترول والغاز.

اقرأ ايضاً
69 حزبا مسجلا.. التحالفات الحزبية في الانتخابات الماليزية تقصي مهاتير وتعزز التشرذم
Flood victims receive boiled rice from relief workers, after taking refuge on a motorway, following rains and floods during the monsoon season in Charsadda, Pakistan August 27, 2022. REUTERS/Fayaz Aziz
باكستانيون متضررون من الفيضانات يتلقون مساعدات غذائية (رويترز)

ما الآثار الاقتصادية والسياسة لكارثة الفيضانات؟

تأتي هذه الكارثة في ظل أزمة اقتصادية خانقة تمر بها البلاد، حيث تزداد الحاجة في الوضع الطبيعي وقبل الفيضانات إلى دعم اقتصادي من صندوق النقد الدولي، ومن حلفاء باكستان في العالم، وزادت الفيضانات الحاجة للدعم الدولي لتلافي كارثة إنسانية متوقعة خلال الفترة المقبلة.

وقال سلمان صوفي مساعد رئيس الوزراء إن البلاد بحاجة ماسة إلى الدعم الدولي. ووفقا لصحيفة “دون” الباكستانية، فقد أعلن رئيس الوزراء شهباز شريف منحة قدرها 10 مليارات روبية (45 مليون دولار) للمتضررين في خيبر بختونخوا.

وتدفع هذه الكارثة باكستان لزيادة الإنفاق على الإغاثة وإعادة الإعمار، في الوقت الذي يطالبها فيه صندوق النقد الدولي بتخفيض الإنفاق. وقال وزير الخارجية الباكستاني بيلاوال بوتو زرداري إن بلاده بحاجة إلى مساعدة مالية للتعامل مع الفيضانات. آملا أن تأخذ المؤسسات المالية كصندوق النقد الدولي التداعيات الاقتصادية في الاعتبار.

وتتزايد المخاوف من التداعيات الاقتصادية الداخلية للكارثة التي تضرب البلاد، حيث دمرت الفيضانات ما يقرب من مليوني فدان من المحاصيل الزراعية، إضافة إلى نفوق عدد كبير من الماشية.

ويشير الخبير الاقتصادي شاكيل راماي إلى مخاوف من زيادة انعدام الأمن الغذائي في باكستان بمعدل بين 10 و12%. و”هذا سينعكس على الوضع المعيشي للطبقات الفقيرة والمتوسطة ليس في المناطق المتضررة فحسب، بل على مستوى مناطق أخرى خاصة المدن، إذ سترتفع الأسعار بسبب قلة المنتجات الزراعية واللحوم، كما أن كثيرا من المتضررين فقدوا فرص عملهم ومصادر رزقهم، مما سيزيد معدلات البطالة ومستويات الفقر”.

في الوقت نفسه، لا تزال الأزمة السياسية متصاعدة في ظل حالة الطوارئ التي تشهدها باكستان، حيث قال رئيس الوزراء السابق عمران خان خلال حراك سياسي له في منطقة جيلوم بإقليم البنجاب، أمس الأحد، إن صراعه نحو “الحرية الحقيقية” سيستمر خلال الفيضانات أو حتى الحروب؛ مما عرضه لانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما دفع حزبه “الإنصاف” لإلغاء حراك سياسي كان مقررا بمدينة بيشاور في خيبر بختونخوا.

ما أبرز الفيضانات التي تعرضت لها باكستان في العقود الثلاثة الماضية؟

شهدت باكستان عددا من الفيضانات على مدار العقود الماضية، راح ضحيتها عدد كبير من القتلى وخلفت دمارا كبيرا في البنية التحتية وبيوت المواطنين وأراضيهم:

  • سبتمبر/أيلول 1992: شهدت الهند وباكستان أمطارا غزيرة ورياحا موسمية على مدار أكثر من 4 أيام تسببت في فيضانات وُصفت حينها بالأكثر صعوبة، حيث خلفت 2500 قتيل، وتركزت في إقليم كشمير بشقيه الباكستاني والهندي، وإقليم البنجاب الباكستاني.
  • عام 1995: أدت الأمطار الموسمية الغزيرة إلى فيضان نهر السند والأنهار والقنوات الأخرى، وتسبب ذلك في أضرار جسيمة في المناطق القريبة.
  • عام 2003: أدت زيادة معدل الأمطار الموسمية في السند إلى فيضانات ضربت مدينة كراتشي، ومنطقة ثاتا (تتّا)، وراح ضحيتها 484 قتيلا.
  • عام 2007: شهدت أقاليم خيبر بختونخوا والسند وبلوشستان أمطارا موسمية، بالإضافة إلى إعصار ضرب ساحلها، إلى جانب ذوبان الأنهار الجليدية في خيبر بختونخوا، مما تسبب في كارثة راح ضحيتها 967 قتيلا.
  • فيضانات كراتشي 2009: نتجت عن ارتفاع منسوب الأمطار التي هطلت على المدينة، واعتبرت الأعلى منذ 30 عاما، وخلفت 26 قتيلا.
  • فيضانات 2010: من أسوأ الكوارث التي تعرضت لها باكستان منذ تأسيسها، حيث تسببت الأمطار الغزيرة في فيضانات على مستوى البلاد راح ضحيتها أكثر من 2000 قتيل. ووفقا لبعض المصادر، تجاوز عدد المتضررين منها المجموع الإجمالي للأفراد المتضررين من كارثة تسونامي بالمحيط الهندي عام 2004، وزلزال كشمير عام 2005، وزلزال هايتي عام 2010.
  • فيضانات 2011 في السند نتيجة الأمطار الموسمية وراح ضحيتها 361 قتيلا.
  • فيضانات 2012 في أقاليم خيبر بختونخوا وجنوب البنجاب والسند العليا، وخلفت 100 قتيل.
  • فيضانات 2013 في أجزاء متفرقة من باكستان خلفت 80 قتيلا.
  • فيضانات 2016 التي ضربت أجزاء من إقليم خيبر بختونخوا وراح ضحيتها أكثر من 100 قتيل، جزء منهم لم يتم العثور على جثثهم.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى