اقتصاد

رحلة هبوط الجنيه المصري مستمرة.. أيهما أفضل الخفض الحاد أم التدريجي؟

القاهرة– لا صوت يعلو فوق صوت الحديث عن سعر الدولار، المطلوب الأول في مصر مع زيادة الطلب وشح المعروض واستمرار انخفاض الجنيه بشكل يومي إلى مستويات جديدة بسبب تأثير الأزمات العالمية والمحلية على الاقتصاد المصري.

ويراقب المصريون هذا الهبوط على شاشات التداول اللحظية للعملة في البنوك المحلية منذ مارس/آذار الماضي، كما يرغبون في معرفة نهاية هذا الهبوط المستمر، مما جعل التفريط في الدولار أو الحصول عليه في غاية الصعوبة.

متوسط سعر العملة المصرية كسر الحواجز السوقية والنفسية، مسجلا أدنى مستوى له على الإطلاق، إذ تجاوز 19.60 جنيها للدولار، وسط توقعات بمزيد من الانخفاض بالتزامن مع تراجع المعروض وتراكم الطلب وتأخر الحكومة في إبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي لوضع حد للهبوط.

وأصبح السؤال الأكثر شيوعا عن مصير الجنيه المصري هو أيهما أفضل الخفض التدريجي أم الحاد للجنيه، وإلى أي مستوى سوف يتم خفض الجنيه، وهل سيكون كافيا لتحقيق وفرة في المعروض من الدولار، وبالتالي تثبيت قيمة الجنيه في نطاق سعري معروف.

تباين مواقف المركزي المصري

تشير سياسات البنك المركزي المصري خلال الشهور الماضية إلى أنه قام بزيادات تدريجية في سعر الصرف، وهو ما يرجح تبنيه سياسة الخفض التدريجي للجنيه وليس الخفض الحاد، من دون أن يعطي مؤشرا بشأن القيمة النهائية للعملة المحلية.

يأتي هذا التوجه بعد اتخاذ المركزي قرارا مارس/آذار الماضي بخفض قيمة الجنيه بنحو 15% بشكل مفاجئ، ليقفز متوسط سعر صرف الدولار داخل البنوك المصرية إلى 18.26 جنيها للبيع و18.17 جنيها للشراء.

وتشير تقارير دولية إلى أن العملة المصرية “مُبَالغ في تقديرها”، وأكد تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ الأميركية أغسطس/آب الماضي أن بنوكا كبرى في العالم ترى أن الأمر كذلك بالفعل، مما يعني عدم وجود خيارات أخرى أمام صانعي السياسات المالية في مصر سوى السماح للجنيه بالضعف أكثر فأكثر، وفق تعبير التقرير.

وأضاف التقرير أن من وجهة نظر بنكي “دويتشه إيه جي” (Deutsche AG) و”غولدمان ساكس” (Goldman Sachs)، فإن سعر صرف الجنيه مُبالَغ فيه بنحو 10%، في حين ترى شركة “سيتي غروب” (إحدى كبرى شركات الخدمات المالية الأميركية) أن الجنيه أكبر من قيمته بنسبة 15%.

وقال محللو “سيتي غروب” -وفق التقرير ذاته- إن استمرار مبالغة مصر في تقييم عملتها “ينبغي أن يثير استياء صندوق النقد الدولي الذي يبدو أنه يفرض شروطا أكثر صرامة في معظم الأسواق غير السائلة”.

خفض تدريجي أم سريع؟

أيد عدد من خبراء الاقتصاد الخفض الحاد للجنيه المصري، من بينهم المحاضر بكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية بالقاهرة، هاني جنينة، الذي أكد أن خيار الخفض الحاد في سعر صرف الجنيه هو الأفضل وسيجنب البلاد المزيد من المتاعب حيث يعاني المستوردون والمصنعون من شح الدولار.

وأضاف، في تصريحات للجزيرة نت، أن صندوق النقد الدولي كان قد عرض بحثا عام 2020 إبان أزمة كورونا بشأن هذا الموضوع، حين ظهر السوق الموازي للعملة الصعبة في العديد من بلدان العالم، وانتهت الدراسة إلى أن الخفض المفاجئ والسريع هو الأنسب.

وبشأن انعكاس ذلك بالسلب على التضخم وغلاء الأسعار، أوضح الخبير الاقتصادي أن الدراسة شملت تلك الجزئية وأجابت عنها بأن الأسواق في تلك الدول تعتمد الأسعار بناء على سعر العملة الأجنبية في السوق الموازي، وليس في البنوك المحلية؛ وبالتالي فإن الصدمة التضخمية لن تكون مرتفعة.

ورأى أن سياسة البنك المركزي حتى الآن هو الخفض التدريجي، وربما يكون ذلك مرتبطا بتأخر المفاوضات مع صندوق النقد من جهة، ومن جهة أخرى أن بعض القطاعات الخاصة والعامة في البلاد لا يمكنها رفع أسعارها بشكل فوري، مثل شركات الأدوية وغيرها.

اقرأ ايضاً
بلغت إيرادات شركات السوق المالية السعودية (تداول) 613 مليار دولار

وذهب جنينة إلى القول إن الجنيه مقوم بأكثر من قيمته الحقيقة المعلنة في البنوك المحلية، مشيرا إلى أن قيمته العادلة تتراوح بين 22 جنيها و23 جنيها للدولار، لكنه اعتبر أن الحفاظ على هذا السعر يتطلب إجراءات موازية؛ حتى لا يذهب به السوق الموازي إلى سعر أقل.

ومارس/آذار الماضي، أكد صندوق النقد الدولي أن السماح بمرونة أكبر في سعر الصرف كان سيجنب مصر تراكم الاختلالات في ميزانها الخارجي، ويسهل امتصاص الصدمات الاقتصادية.

ولا تملك مصر في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة خيار الحفاظ على قيمة الجنيه متماسكا أمام سلة العملات الأجنبية، ولا يعد خفض قيمته شرطا من شروط صندوق النقد الدولي، حسب تصريحات سابقة للخبير الاقتصادي إبراهيم نوار للجزيرة نت، بل بسبب الفجوة الكبيرة في التمويل وزيادة حجم الديون الخارجية.

ودعا صندوق النقد مصر إلى تبني سياسة مرنة في سعر الصرف خلال المحادثات الشاقة التي تجري بينهما والتي من المنتظر أن تنتهي خلال شهر أو شهرين، حسب مسؤولين مصريين من دون الكشف عن حجم الدعم المتوقع.

وشرعت مصر أواخر عام 2016 في تنفيذ برنامج وصف بالقاسي مع صندوق النقد لمدة 3 سنوات، حصلت بموجبه على قرض بقيمة 12 مليار دولار، تضمن خفضا حادا لقيمة العملة التي فقدت أكثر من نصف قيمتها إلى جانب تقليص الدعم.

لكن مع بدء جائحة كورونا وتوالي الأزمات العالمية عام 2020 حصلت مصر من الصندوق، بموجب اتفاق استعداد ائتماني، على 5.2 مليارات دولار، بالإضافة إلى 2.8 مليار دولار بموجب أداة التمويل السريع، مما ساعد السلطات على معالجة تأثير تداعيات كورونا، وفقا لبيانات الحكومة المصرية.

سياسة الصدمة ثم التشديد

يتفق الخبير المالي بمؤسسة “واشنطن أناليتيكا” بالعاصمة الأميركية واشنطن، شريف عثمان، مع الدعوات المطالبة بخفض سريع للعملة المصرية المحلية؛ “لأن الخفض التدريجي سوف يفقد الأسواق الثقة في العملة”.

وأعرب عن اعتقاده، في حديثه للجزيرة نت، أن الخفض الحاد هو الأفضل، بل وبأكثر من المراد أو المتوقع، قبل أن يستعيد الجنيه قوته بعض الشيء بالتدريج وهو ما يمنح المتعاملين ثقة بقيمته.

وأشار الخبير المصرفي إلى أن التخفيض الحاد يشجع المستثمرين الأجانب على دخول السوق المصري ويقلل أخطار خسائر “الفوركس” (تداول العملات الأجنبية) في حال فكروا في الخروج بعدها، كما يجعل الأصول المراد بيعها أرخص، فيسهل العثور على مشتر.

الخفض التدريجي -بحسب عثمان- لم يسفر عن أي حلول حقيقية، بل عقد الأوضاع أكثر، مضيفا “أعتقد أن الخفض التدريجي قرار سياسي”.

قوة الدولار واحتياجات التمويل

صعبت قوة الدولار -الذي بلغ أعلى نقطة في 20 عاما مؤخرا- من وضع الجنيه المصري الهش، إذ سجل مؤشر الدولار -الذي يقيس قيمة العملة الخضراء مقابل سلة من 6 عملات منافسة- أعلى مستوى لم يشهده منذ سبتمبر/أيلول 2002.

ولا تختلف الحكومة المصرية مع مطالب خفض الجنيه، لكنها قد تختلف مع طريقة التنفيذ، وقالت وزيرة التخطيط المصرية هالة السيد، في مقابلة مع بلومبيرغ، في وقت سابق، إنها منفتحة على إدارة أكثر مرونة للعملة، “نحن كحكومة نتفق على أن سعر الصرف المرن مفيد بالتأكيد للاقتصاد”.

ويبقى السبب الرئيس الذي يضغط بقوة على الجنيه وعلى صانعي القرار المالي والاقتصادي في مصر هو أن إجمالي احتياجات التمويل الخارجي للعام 2023  يبلغ نحو 58 مليار دولار، أو نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، حسب بنك “أوف أميركا”.



المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى