الاخبار العاجلةسياسة

دفاع عن البسطاء أم متاجرة بآلامهم؟.. لماذا تتزايد أعداد “محامي السلم” بمصر؟

القاهرة ـ بخطوات حائرة، صعد ممدوح أولى درجات سلم مجمع محاكم الأسرة بمحافظة الجيزة غربي القاهرة، حاملا شهادة ميلاد صغيرته، معتزما إقامة دعوى قضائية بمواجهة طليقته التي تمنعه من رؤية ابنته منذ شهور، انتشله من حالة الحيرة والارتباك البادية عليه صوت حنون ناداه قائلا “هل تحتاج إلى مساعدة يا أستاذ؟”.

للوهلة الأولى ظنه ممدوح موظفا خصصته المحكمة للوقوف على سلمها ومساعدة المتقاضين المحتشدين بالمئات في مداخل مجمع المحاكم، تنفس الصعداء وشكر مناديه وسأله عما يتوجب عليه فعله لإقامة الدعوى، فكان الرجل كريما مع ممدوح وهو لا يكتفي بالإجابة، بل أخذ منه الأوراق ودعاه في كرم “هيا ورائي”.

عرف ممدوح أن المنادي محام، تطوع في البداية لإرشاده عما يتوجب عليه فعله، مشيرا عليه بعمل محضر تسوية أولا، ثم يأتي بعد أسبوعين ليتسلمه ويقيم بعده دعوى كتبها له، واختتم خدماته بطلب مبلغ 50 جنيها (نحو دولارين) مقابل هذه الخدمة.

فورا أخرجها ممدوح وقدمها للمحامي، قائلا في حديثه للجزيرة نت “لقد وفر لي أكثر من ألف جنيه (نحو 50 دولارا) طلبها محام آخر مني لإقامة الدعوى، فعلمت أنه يمكنني إقامتها بنفسي، فجئت لأجد هذا الرجل الطيب”.

غير أن هذا الطيب هو شرير بنظر بعض زملائه من المحامين الذين يطلقون -ساخرين- على أمثاله من الواقفين أمام المحاكم وفي طرقاتها لقب “محامي السلم”، الذي ينتظر متقاضين لا يوجد لديهم محام، ليقيم لهم دعاوى أو يحرر لهم عرائض إعلانات الدعاوى وإنذاراتها.

مساعدة البسطاء ومصدر رزق

يدافع عيد عن نفسه وزملائه بحرارة، مؤكدا أنه يساعد البسطاء الذين يشبهونه، وعيد محام اعتاد التنقل بين المحاكم انتظارا لمتقاضين يحتاجون محامين، يقول إن معظم من يساعدهم هم من المتقاضين البسطاء وقليلي التعلم.

لجأ عيد إلى ذلك بعد أن أغلق مكتبه في منطقة بولاق الشعبية بالجيزة لقلة زبائنه، ففي المكتب “يجلس المرء بانتظار متقاض، غالبا ما يكون فقيرا، يفاوض في الأتعاب، هذا إن دفعها”، مضيفا في حديثه للجزيرة نت “اضطررت في النهاية لإغلاقه بعد أن عجزت عن دفع إيجاره”.

هنا، على باب مجمع محاكم الأسرة، يلتقط عيد الأربعيني عميله بسرعة، يعرفه من زيغ نظرات عينيه واضطراب حاله، يكون في العادة قادما لأول مرة، ثم مع اعتياد الذهاب للمحكمة، يبحث بنفسه عن محاميه المفضل من الموجودين، والذي ساعده لأول مرة بأتعاب بسيطة.

يوضح عيد أنه لا يتورط في العمل في قضايا معقدة، رغم أنه يعرف كيف يكسبها، لكنه لن يكسب من ورائها، قالها عيد وقطع الحديث فجأة مسارعا لالتقاط عميل جديد يبدو تائها في طرقات المحكمة، ليقوده إلى إحدى القاعات ويجلس إلى جواره.

تضامن المستضعفين

“البكاء على رأس الميت”، مثل شعبي يعبر عن ضرورة دفع المستحقات فور تأدية الخدمة، ويسوقه ضاحكا إسماعيل، وهو محام يفضل أن يطلق على نفسه وزملائه محاميا بلا مكتب، بديلا لعبارة “محامي سلم” التي أطلقها زملاء غيرةً وكيدا، بحسب تعبيره.

وتابع إسماعيل متحدثا للجزيرة نت “لا نختطف من زملائنا عملاءهم، بل يكون المتقاضي قادما تائها بلا محام، نساعده بمقابل بسيط”.

جلبة تتعالى وتغطي على صوت الحديث مع إسماعيل، فيهب متجها ناحيتها ويشتبك في الملاسنة الدائرة بين زميل له ومتقاض هجم على زميله محاولا ضربه.

تهدأ الأجواء، فيعود إسماعيل للحديث موضحا أن هذا هو “المعتاد يوميا، بعض الزملاء يلحون على متقاضين يبدو عليهم الثراء ويبدو لأول وهلة أنهم بلا محامين، بينما يكونون في انتظار محاميهم، مما يزعج هؤلاء المتقاضين ويدفعهم للتلاسن والتهجم على الزميل الذي يحاول مساعدته، وهو هجوم موجه لنا جميعا ويوجب علينا التكاتف ضده”.

ثمة صفة واحدة غالبة على سلوك هذا النوع من المحامين، يسهل ملاحظتها، هي العجلة في محاولة إنهاء الخدمة للمتقاضي، وتجنب التورط في دعاوى طويلة الأمد تستنزف وقتهم وجهدهم.

يفضلون دائما “العميل الطياري” بتعبير إسماعيل، وهو المتقاضي الذي يتحصل على خدمة سريعة بكتابة عريضة دعوى أو إنذار، أو اصطحابه في دهاليز المحكمة لتعريفه بالإجراءات وإنهائها سريعا معه، ومن ثم الحصول منه على “المقسوم”، أي ما يدفعه من أتعاب بسيطة.

أصوات للتصدي

في كل انتخابات لنقابات المحامين، تتعالى الأصوات المطالبة بالتصدي لظاهرة “محامي السلم”، معتبرين أنهم يسيئون للمهنة لأنهم “يظهرون بمظهر من يتسولون العمل من المتقاضين داخل طرقات المحاكم وأقسام الشرطة”.

اقرأ ايضاً
ولي العهد السعودي يقلد قائد الجيش الباكستاني وسام الملك عبد العزيز

وبينما يعزو البعض الظاهرة إلى تزايد أعداد خريجي كليات الحقوق، عشرات الآلاف منهم يعانون البطالة، يقول أحمد علي ـوهو محامي نقض- إن هذه الظاهرة قديمة قدم المهنة نفسها.

وأشار علي في حديثه للجزيرة نت إلى أن “المسألة متعلقة بمستوى الخريج ومدى طموحه، لا بعوامل أخرى”، بحسب تعبيره.

يرفض علي إطلاق لقب زميل على هذه الفئة، رغم أنهم “أساتذة” في معرفة إجراءات بدايات التقاضي، ذلك لأنهم حفظوها من كثافة ممارستها.

وفي الانتخابات الأخيرة للمحامين -يضيف علي- طالب مرشحون لمنصب النقيب بضرورة تحرير شكاوى جماعية للجهات المسؤولة والنقابات الفرعية ضد هذه الفئة، والمطالبة بشطب من يثبت ممارسته المهنة بهذه الطريقة، لأن كثرتهم حوّلتهم إلى عبء على المحامين ونقابتهم، لاسيما وأن بعضهم يخدع المتقاضي من أجل الحصول على أتعاب منه دون خدمة حقيقية يقدمها.

وبلغت الحملة ضدهم في الانتخابات الأخيرة حدّ نشر أسماء “نصابين منهم” على مواقع التواصل الاجتماعي لتحذير المتقاضين منهم.

طريق البداية

يختلف أسامة محمد -وهو محام شاب- مع زملائه في إدانة هذه الفئة لأن “محامين كثرا بدؤوا حياتهم المهنية بهذه الطريقة، وهؤلاء هم ممن لم يجدوا واسطة أو معارف للتدرب في مكتب محاماة”.

وأشار محمد في حديثه للجزيرة نت إلى أن عددا لا بأس به من المحامين الذين تمرسوا على المهنة وافتتحوا مكاتب لهم، لا يزالون يعملون بهذه الطريقة التي ينتقدها البعض.

ويجري الأمر قدرا حينما يكون المحامي واقفا بانتظار موكله بالروب الأسود المميز للمحامين، ليجد متقاضيا آخر يتجه إليه ويطلب مساعدته، فيقدم له المشورة أو يكتب له العريضة المطلوبة دون انتظار للمقابل ليفاجأ بالمتقاضي يدفع له ما يقدر عليه، بحسب محمد.

المتحدث لجأ لطريقة محامي السلم أكثر من مرة حينما لا يكون لديه قضايا محددة يترافع فيها، مضيفا “أحمل حقيبتي وأذهب للمحكمة، بدلا من الجلوس في مكتبي، لأتجه لغرفة المحامين بالمحكمة، وأوصي الحرس والسعاة بتوجيه متقاضين ـلا محام معهم- لي، أستغل هذا الوقت الفارغ، لاسيما وأن موكلي يعلمون أن مواعيدي بالمكتب مساء لا صباحا، فيكون وقتا ضائعا لو قضيته بمكتبي”.

الرأفة مطلوبة

بأسى يضيف المحامي أسامة “كان من الممكن أن أكون أنا أو أحد منتقدي ظاهرة محامي السلم واحدا من هؤلاء، وذلك لو لم ييسر الله له رزقه وينعم عليه بشيء من الشهرة في منطقته فيعمل بالطريقة التقليدية”.

ويزيد على ذلك بالقول “معظمنا تخرجنا من كليات حكومية، لسنا من خريجي أوكسفورد مثلا لنكون متميزين عن هؤلاء، وكان من الممكن أن يكون محامي السلم نفسه جالسا على منصة القضاء يتحصل على عشرات أضعاف دخله الحالي، لو توافرت له واسطة تدخله في سلك القضاء، وخاصة أن بعض هؤلاء المحامين ـمثلي- حاصل على تقدير مرتفع عند تخرجه من الكلية”.

يؤكد أسامة أن المسألة فيها كثير من الحظ، مع الاجتهاد طبعا، مطالبا زملاءه بـ”بعض الرأفة بقليلي الحظوظ من الدنيا”.

سيارة الترحيلات

وتمثل سيارة الترحيلات مصدر بهجة لمحامي السلم، حيث يعني وصولها توفر فرص عمل كثيرة لهذا اليوم.

تشير عقارب الساعة للعاشرة صباحا، تهل سيارة ترحيلات كئيبة المنظر بالنسبة لذوي المحكومين، لكنها بهيجة المرأى لمحامين تتهلل أساريرهم فرحا بمقدمها، يحفظ المحامي منهم جيدا ملامح ذويهم، ويقترب منهم عارضا مساعدتهم.

تشكو عبير -ربة منزل طلبت الاكتفاء بذكر اسمها الأول فقط- من أنها تعرضت لعملية خداع من محام اقترب منها عارضا مساعدتها للمثول مع زوجها أمام المحكمة.

لم يكن معها محام، فوافقت عبير فورا ودفعت له مقدم أتعابه، فشرع يقرأ أوراق القضية في عجالة، صوّر الأوراق بهاتفه المحمول من حرس السيارة المرافق للمحكومين، ثم التقط روب دفاع من محام زميل له، وسارع ليترافع أمام القاضي متعجلا، ثم خرج وطلب بقية أتعابه ومضى، لتتفاجأ بالحكم على زوجها بالسجن 6 أشهر.

لم تتقدم عبير بشكوى ضده لنقابة المحامين، إذ نصحها محام بألا تفعل لأنها لن تكسب شيئا من وراء ذلك، “فالظاهرة أكبر من علاجها فرديا” كما قال لها.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى