الاخبار العاجلةسياسة

مجازر بشعة وأوضاع مأساوية.. ما الذي أشعل الصراع في ولاية النيل الأزرق السودانية؟

الخرطوم- مثل المجازر البشعة التي وقعت في رواندا منتصف تسعينيات القرن الماضي، عادت مشاهد مماثلة في ولاية النيل الأزرق (جنوب شرق السودان) في أعقاب تفاقم صراع قبلي على مدى 3 أشهر، ناهزت حصيلة ضحاياه 500 قتيل ومئات الجرحى وآلاف النازحين.

ويغيب التسليط الإعلامي عن مناظر غاية في القسوة أنتجتها صراعات بين قبائل الفونج ومتحالفين معها ضد الهوسا بسبب رغبة الأخيرة في إنشاء “نظارة” (أعلى الرتب في نظام الإدارة الأهلية السوداني)، وهو ما عارضته القبائل الأخرى في المنطقة بدعوى أن الهوسا وافدون وليسوا أصحاب حق أصيل في المنطقة.

ويتميز إقليم النيل الأزرق بتنوع قبلي واسع تمثله قبائل الفونج، المكوِّن الرئيسي لسكان الولاية، وهي خليط من قبائل عربية وأخرى أفريقية.

وإجمالا، يمكن تقسيم الوجود القبلي لـ4 مجموعات؛ يتصدرها السكان الأصليون، ويتشكلون من مجموعة القبائل الأفريقية، ولكل منها أرضها وتاريخها وعاداتها وتقاليدها، ثم مجموعات من القبائل العربية تتشكل مما عرف بالجلابة، وقدموا للمنطقة أساسا لأغراض التجارة والزراعة والعمل الدعوي، والثالثة مجموعة وافدة من غرب السودان وصل عناصرها للإقليم منذ عشرات السنين كعمال وباتوا لاحقا جزءا مؤثرا في الخريطة الديموغرافية والاقتصادية بالمنطقة، أما الرابعة فهي مجموعات وافدة من غرب أفريقيا من قبائل الفلانو وتتشكل من قبائل “الفلاتة، والهوسا, والبرنو” بمختلف بطونهم.

بداية الأزمة

وبدأ الصراع الدموي -الذي تمثل الهوسا والفونج طرفيه الأساسيين- خلال يوليو/تموز الماضي، وسقط ضحيته نحو 300 قتيل، إضافة إلى أكثر من 17 ألف نازح، بينهم 15 ألفا نزحوا من محلية الروصيرص فقط، حسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في السودان.

وطوال الأشهر الثلاثة الماضية، عاش الإقليم توترا مستمرا بسبب رفض الفونج عودة النازحين من الهوسا لديارهم، وحين حاول البعض الرجوع -رغم العراقيل- واجهوا أصنافا من العنف والاستهداف العلني، تنامت معه النعرات القبلية، وتفشى خطاب الكراهية على نحو لم يشهده الإقليم من قبل.

وتجددت موجة العنف الدموي خلال الأيام الماضية، ووصلت حصيلتها إلى نحو 200 قتيل وعشرات المصابين.

وحسب تقرير رسمي صدر أمس الأحد اطلعت عليه الجزيرة نت، فإن تطورات الأحداث بدأت في 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري بمنطقة “ود الماحي”؛ إثر تعدي أفراد من الهوسا على أرض زراعية اضطر صاحبها للدفاع عنها، وامتد بعدها الصراع إلى مناطق أخرى، وتم خلاله إحراق عدد من النساء والأطفال في منازلهم وفقا للتقرير الصادر عن مفوضية العون الإنساني، وأشار معدوه إلى صعوبات تواجه التعامل مع الجثث ودفنها، خاصة بالمدينة 4.

وأوضح التقرير أن “عدد الجثث التي تم حصرها بالمدينة 4 وصل إلى 157 قتيلا، ولم يتم إخراج المحترقين حتى الآن، إضافة إلى 98 إصابة”. وطالب بسرعة تدخل سلطات المركز لمعاينة الأوضاع الإنسانية الحرجة وتقديم العون للمتأثرين.

رواية الهوسا

وفي المقابل، يقدم عثمان جانو (أحد نشطاء الهوسا) رواية مغايرة بتأكيده للجزيرة نت أن عودة النازحين من الهوسا لمناطقهم التي نزحوا منها في يوليو/تموز الماضي هي السبب في تفاقم الأوضاع بعد أن هوجموا في منازلهم وتم إحراقها، لافتا إلى تصديهم الأربعاء الماضي لمجموعة مسلحة سقط منهم 10 قتلى مقابل 5 من الهوسا ونحو 30 جريحا.

ويتابع جانو “نتيجة هذا الحادث تعرضت المدينتان 3 و4 لهجوم مباغت ليل الخميس استُخدم فيه السلاح الناري والأسلحة البيضاء وتم إحراق عدد كبير، بينهم نساء وأطفال داخل منازلهم، كما لوحق آخرون وقُطعوا بالسيوف في سلوك غريب”، وفق تعبيره.

اقرأ ايضاً
غليان في واشنطن.. مواجهات بالرصاص الحي وإغلاق الكونغرس عقب اقتحامه

ويصف الناشط دور الأجهزة الأمنية “بالضعيف للغاية”، خاصة أنها كانت تعلم بحملات التحشيد والتسلح دون أن تتدخل لوقفها.

وفي حين حمّل جانو أجهزة الأمن “مسؤولية الأرواح التي أُزهقت”، أعلن العزم على رفع شكاوى للمنظمات الدولية والمحكمة الجنائية للتحقيق في حملات الإبادة والتطهير العرقي التي تُمارس ضد الهوسا، على حد قوله.

ويتهم جانو بشكل صريح مك قبيلة الهمج عبيد أبو شوتال بـ”إذكاء نيران الفتنة لحديثه المستمر عن أن الهوسا ليسوا سودانيين”، وقال إنه “يعمل على تعبئة الناس للقتال على نحو يستدعي محاكمته على الجرائم الفظيعة التي وقعت”.

لكن أبو شوتال تحدث بدوره -في تسجيل مصور بث على مواقع التواصل الاجتماعي- عن جرائم ضد الإنسانية ارتكبت في منطقة “ود الماحي”، حيث أحرقت النساء والأطفال، وأشار إلى محاولات تهجير السكان الأصليين، مؤكدا أنهم لن يسمحوا بحدوث ذلك، كما وجه انتقادات حادة لعضو مجلس السيادة رئيس الحركة الشعبية-شمال مالك عقار، وقال إنه يحاول الاستحواذ على كل مكاسب اتفاق السلام مطالبا بإلغاء الاتفاقية.

يشار إلى أن إقليم النيل الأزرق حاز وضعا استثنائيا بموجب اتفاق السلام الموقع في جوبا عام 2020 بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية التي تضم بين مكوناتها الحركة الشعبية-شمال بزعامة مالك عقار، حيث تسيطر الحركة على أجزاء من الإقليم بعد أن خاضت حربا شرسة ضد النظام السابق في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

إجراءات حكومية

وفي محاولة للسيطرة على الأوضاع المتأزمة، دفعت قيادة الجيش الاثنين بتعزيزات عسكرية كبيرة، كما تم الإعلان عن تعيين قائد جديد للمنطقة العسكرية في الدمازين، وذلك بعد يوم من هجوم لمتظاهرين -أغلبهم من أثنية الهمج- على أحد مخازن الأسلحة ومقر الفرقة الرابعة مشاة، علاوة على إحراق مقر الحكومة في سياق احتجاجات للمطالبة بإقالة الحاكم أحمد العمدة المعين بموجب اتفاق السلام، وهو كذلك أحد قادة الحركة الشعبية، كما يطالب المتظاهرون بإبعاد قوات الدعم السريع من المنطقة.

ويرى الصحفي والمحلل السياسي النذير إبراهيم أن ما يجري في النيل الأزرق من شأنه أن يؤدي إلى تفكك شامل في كل محليات الإقليم جراء ما أسماه “الهشاشة الكبرى” التي عمت المنطقة وتنذر بزعزعة الاستقرار وتفتيت اللحمة الاجتماعية وما تبقى من تماسك إثني وقبلي واجتماعي في الإقليم الموبوء بالنزاعات والحروب طوال 40 عاما الماضية.

ويشير إلى أن اتفاقية جوبا للسلام ورغم منحها الحكم الذاتي لإقليم النيل الأزرق، ووصول حكمه لقادة الحركة الشعبية، فإنها لم تفلح في إيقاف الحرب والنزاعات في الإقليم، بل استفحل الأمر عقب انتشار العنصرية وتفشي الكراهية بشكل مرعب؛ وهو ما أفضى إلى حرب أهلية عارمة بين القبائل الأصلية وقبيلة الهوسا.

وحسب إبراهيم، فإن “السلطتين المركزية والمحلية تعاملتا بنحو باهت مع الأحداث المميتة ولم تحرك ساكنا لحسم الفوضى ووقف القتال العنيف، في حين عمل رجال الإدارة الأهلية على تهدئة الأوضاع والنفوس وجمع الفئات المتقاتلة للسيطرة على الأوضاع التي تتفاقم يوما بعد يوم”.

المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى